للتنمية المتسارعة التي نعيشها آثارها بلا شك على حياتنا الاجتماعية أولاً، وعلى سلوكيات الناس وتعاملاتهم، وللتطور والتغيير ضريبتهما الأكيدة، لكن المشكلة ليست في معرفة هذه الآثار أو تلك الضريبة، المشكلة في قدرة الناس على التعامل معها، في استيعابها وفهمها، وفي امتصاص الصدمة التي تخلفها عليهم، ولأن قلة من الناس هي التي استوعبت الأمر، فإن الكثرة تعاني وبشكل واضح، يظهر ذلك في تعاملهم مع المحيط وفي تعاملهم مع ذواتهم، ومع التفاصيل المحيطة بهم.

أجد في الرسائل الكثيرة التي تصلني عبر بريدي الالكتروني من الأخوة والأخوات القراء، قدراً كبيراً من الإحساس بالتبرم وعدم القدرة على تقبل التغيير، هناك رغبة شديدة من قبل الكثيرين على تفسير ما يحدث في أماكن كثيرة على أنه موجه ضدهم، فقط لأنهم مواطنون، وبأن هناك من يحاول النيل منهم، أو التعدي عليهم عامداً متعمداً لإشعارهم بقلة أهميتهم وبأن كونهم مواطنين ميزة عليهم الافتخار أو الاعتداد بها، بل العكس إنهم مغلوبون على أمرهم في أماكن مختلفة وبشكل واضح لأنهم مواطنون، في رسائل كثيرة يكتب بعض القراء أمثلة وأبياتاً شعرية تنم عن إحساسه بالدونية تجاه الوافد الأجنبي والغريب الذي يرى أنه يتمتع بكل شيء ويقدم في كل أمر على المواطن الذي يجد نفسه في آخر الصف دائماً!!

أنا هنا أنقل الأحاسيس التي أجدها في الرسائل التي تردني، دون أن أنكر أن مثل هذه الأمور واقعية فعلاً وبأن هناك مبالغة في أحيان كثيرة في طريقة الاحتفاء بالوافد وإعلاء قدره وخاصة في المؤسسات الحكومية وبيئات العمل العامة أو الخاصة على حساب المواطن الذي يجد نفسه لا يحظى بمثل هذا الاحتفاء والاهتمام ولا يعرف السبب، فيسقط في الضيق والغضب والشعور بالدونية وتدريجياً يؤثر ذلك على انتمائه لوظيفته ومؤسسته وقد يصل الأمر أن يمس انتماءه لمجتمعه ووطنه في نهاية المطاف حين يصل الأمر إلى مستويات غير مقبولة منطقياً وأخلاقياً من إقصاء المواطن ونبذه وتهميشه في مقابل تقريب الوافد واحتضانه ومنحه من الامتيازات المادية والمعنوية ما لا يحلم به المواطن!!

هذا الأمر يحتاج إلى مناقشة عامة، ويحتاج إلى تقنين، فحين يكون للامتيازات سبب وظيفي مقنع تحتمه طبيعة العمل، فلا بأس، أما حين يفضل الوافد فقط لأنه وافد، أو لأنه ينتمي لجنسية محببة لدى البعض، أو لأنه من ذوي العيون الزرق والشعر الأشقر، فهذه ليست أسباباً موضوعية أبداً.

تحاول كثير من المؤسسات أن تذر الرماد في عيون كبار المسؤولين وصناع القرار بالإعلان الدائم عن وظائف للمواطنين تحديداً للإيحاء بأنها تسير في خط التوطين، لكن الحقيقة تكشفها المكاتب وممرات المؤسسات التي تعج بالموظفين الوافدين في كل الوظائف الصغيرة والكبيرة التي يمكن أن يحل محلهم شباب مواطنون يحملون نفس المؤهلات والشهادات.

لماذا علينا أن ندفع ثمن التنمية والانفتاح لصالح الوافدين؟ لماذا لا يكون الثمن لصالحنا أولاً، ولصالح الآخرين ثانياً أو تالياً؟ لماذا يكرس البعض شعور الدونية لدى المواطنين بتفضيله للوافدين في الوظائف العامة والخاصة معاً؟ إلى متى ستظل الثقة ناقصة في المواطن وكاملة 100% في الوافد مع إنها ثقة في غير محلها أحياناً؟

sultan@dmi.gov.ae