في كتابه «لعبة الشيطان» يتحدث «روبرت درايفوس» عن صورة العربي في مخيلة المواطن الأميركي، فإلى العام 1941، كان الشرق الأوسط في مخيلة الشباب الأميركي عالما غامضا أشبه بالقصص الخيالية، يقطنه مجموعة من الشيوخ والحريم، بعمائمهم، عالم واحات وأهرام وعالم غير متحضر يحكمه القراصنة والترك،

فمنذ أن صدرت رواية الكاتب الأميركي «مارك توين»: «الأبرياء في الخارج» وذلك في العام 1869 والعالم مدرك لطبيعة الجهل الأميركي خارج حدوده «فمارك توين» الذي اشتهرت كتاباته بالسخرية استخدم هذا الكتاب ليصور رحلة طويلة في البحر المتوسط والشرق الأوسط وقد شهدت تلك الرواية إقبالا واسعا بين القراء الأميركيين في القرن التاسع عشر لكن «مارك توين»

وبكل أسف قام بعمله هذا على تسخير تلك النزعة العنصرية والفوقية لدى الأميركيين ضد كل ما هو إسلامي وشرق أوسطي، ففي روايته التي يتجول من خلالها في تركيا حابسا أنفاسه عن الروائح الكريهة على حد تعبيره، وفي سوريا حيث يكره الناس المسيحية والمسيحيين، وحيث الناس قبيحة وشريرة، يستمر هذا الروائي في وصم الشرق الأوسط بأفظع الصور والوصف.

أحد زملاء العمل من الجنسية الأميركية لا يتوقف أبدا عن التنديد بسياسة حكومته الخرقاء سواء في العراق أو في أفغانستان وهو يرى أن من أسباب الفشل الأميركي في العراق انغلاق المجتمع الأميركي وحكومته عن العالم فهو يكاد يجزم بأن الرئيس الأميركي «جورج بوش» لا يدرك طبيعة الموزاييك العراقي العرقي والطائفي ولا يملك خلفية كافية للطوائف الإسلامية، ولا عن طبيعة الصراع السني ـ الشيعي في العراق وفي المنطقة بشكل عام.

سوء تقدير المواقف، أصبح على ما يبدو سمة رئيسية في الإدارة الأميركية، فلقد سبق للأميركيين أن تهاونوا في تقدير قدرة ونفوذ «الخميني» وفشلوا عن قراءة تداعيات غياب نظام «الشاه» في إيران، وانعكاسات هذا الغياب على المنطقة بشكل عام، فكان أن عانت دول المنطقة ولاتزال بسبب مثل هذه القراءات الخاطئة.

قد يكون مثل هذا الجهل بالثقافات الأخرى مقبولا في زمن «مارك توين»، وقد يكون طبيعيا في القرن التاسع عشر، حين كانت القارة الأميركية معزولة جغرافيا وثقافيا، لكن أن يستمر مثل هذا الجهل في زمن «جورج بوش»، والإنترنت، والطائرات العملاقة، والأقمار الصناعية، فذلك خروج عن المعقول. منطق بئر النفط في الساحة الخلفية لمنزل كل مواطن، والحريم، والجمال، والواحات، والسلاطين ذوي العمائم، هو منطق لايزال وبكل أسف حاضرا في العقلية الأميركية الجديدة ففي أحد البرامج التلفزيونية،

يلتقي المذيع بمجموعة كبيرة من الشارع الأميركي حيث يسألهم أسئلة في شؤون العالم الآخر خارج حدودهم الجغرافية والثقافية لتأتي الإجابات مضحكة ومؤسفة في آن واحد، فديانة إسرائيل هي الإسلام وعملة بريطانيا اليورو، وكوريا تقع في أستراليا وصدام حسين تركي أو إيراني وغير ذلك من إجابات جعلت ذلك البرنامج يتصدر منتديات الفكاهة في الإنترنت. لم يعد الانفتاح الأميركي على العالم وثقافاته مسألة خيار، فالولايات المتحدة الآن هي القطب السياسي والعسكري الأوحد المسيطر على العالم، وأي خطأ في قراءة هذا العالم، سيدفع الجميع ثمنه، إن عاجلا أم آجلا.