في كثير من الثقافات القديمة يُفهم تعبير «فليعش أطفالك في أوقات مثيرة» باعتباره دعاءً سلبياً أكثر منه دعاء للمباركة أو للخير. إن حالة الإثارة التي تتسبب فيها فقاعة في وول ستريت أو حالة ركود في مين ستريت، كما يقول لنا خبراء الاقتصاد في العالم، هي علامة مرضية وليست مؤشراً على الصحة الجيدة.
لحسن الحظ لم يعد الرخاء العالمي يعتمد بشكل كلي على حالة القاطرة الأميركية اللعوب كما كان الأمر في السابق. وتؤكد على ذلك تقارير موثقة صدرت حديثاً عن صندوق النقد الدولي. وفيما يقترب عام 2007 من منتصفه، نجد أن النمو الذي تسجله دول الاتحاد الأوروبي يتسارع بشكل طفيف للغاية، وذلك هو أفضل وصف له.
ولن يوقف التقدم الكبير الذي تحققه كل من الصين والهند النمو السنوي البطيء الذي يبلغ 1% سنوياً في حجم الصادرات الأميركية.
بل ان مثل هذا المعدل قد يمثل فائدة لخطط التوسع الصينية في كل أرجاء العالم. وباعتباري من الأميركيين الوطنيين، فإنني لا أشعر بالحزن عندما تفقد دولتي هيمنتها الأحادية على الاقتصاد العالمي. فنحن لا نمثل سوى 5% من تعداد سكان العالم ولكننا في الوقت نفسه نُنتج 20% من إنتاج العالم.
إن معدل إنتاج الفرد في الولايات المتحدة ينمو بشكل منتظم من سنة لأخرى. غير أن المناطق التي هي أفقر منا على المستوى المادي تستطيع في حال أن تكون لديها شعوب متعلمة لم تستطع بعد أن تحصل على أجور عالية- تستطيع بحسب التوقعات أن تنمو بمعدل يزيد على معدلنا بمقدار الضعف. لماذا هذا وكيف؟
فعن طريق استغلال تقدمنا التقني والاستفادة منه في فتح أسواق لديها، فإن دول أوروبا الغربية ودول آسيا - الباسفيك استطاعت لفترة طويلة أن تحقق معدلات إنتاج أسرع من معدلات إنتاج الفرد في أميركا. فعندما يبدأ المرء من أسفل فإن معدل تقدمه يكون أسرع. يتعين عليّ أن أحتاط من تضخيم التكاسل الحالي في الاقتصاد الأميركي.
نعم، لم تسجل أسهم وول ستريت هبوطاً أو ارتفاعاً ينذر بخطر، إذ ان مؤشرات أسعار الأسهم لا تزال تقريباً على ما هي عليه منذ بداية 2007. وأعترف أن الفقاعة الأخيرة في أسعار الأسهم قد انتهت. فالممولون الذي أقدموا بشكل متهور على مساعدة الفئات التي تفتقر إلى السيولة على شراء منازل ضخمة تزيد على قدراتهم المالية- هؤلاء الممولون يعانون الإفلاس الآن وسيزداد عددهم في الفترة المقبلة. كما أن المضاربين في الأسواق العقارية لديهم منازل جديدة لا يستطيعون بيعها، الأمر الذي سيقتل أي نشاط إنشائي مستقبلي.
على الرغم من ذلك فإن الصورة المالية للبلاد الآن تختلف عما كانت عليه الحال عندما انقشعت الفقاعة العقارية آخر مرة في عقد الثمانينات. ففي أثناء تلك السنوات قامت ألوف من مؤسسات الادخار والإقراض المحلية بوضع كل أموال مودعيهم في صورة منازل جديدة تزيد قيمتها المالية على قيمتها الحقيقة. وفي المقابل فإن خطوة خفض أسعار الفائدة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي من أجل تعزيز انتعاشة مين ستريت بعد انهيار وول ستريت في عام 2000 قد شجعت جماعة من معتادي الإقدام على المخاطر المالية على توفير تمويل رهان عقاري.
يا لهم من حمقى لا يتعلمون من دروس الماضي. غير أنه من المستبعد حدوث انهيار واسع كالذي حدث في حقبة الثمانينات. في عالم الاقتصاد كل شيء ممكن. لا يمكنك استبعاد إمكانية أن يتسبب الارتفاع الرهيب في أسعار النفط وانهيار أسعار العقارات في تآكل معدل النمو السنوي الأميركي الذي يبلغ 2,2% ويتسبب بالتالي في حدوث ركود. ولكن في حال وقوع، وفقط في حال وقوع ذلك فإن الدكتور بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، سيستجيب لرياح الركود ويخفض معدلات الفائدة.
الصحافيون يتصلون بي على مكتبي ليتساءلوا: «سيدي: هل نحن عائدون لمرحلة التضخم المصحوبة بحالة ركود التي اعتدت الكتابة عنها في فترة السبعينات؟» وإجابتي المقتضبة هي أن هناك دائماً فرقاً كبيراً بين الحوت الضخم وسمك القرش المتوسط الحجم. عندما يكون التضخم الأميركي عالياً وفي الوقت نفسه يعاني النمو الحقيقي للبلاد من تراجع نسبي، فإن الاحتياطي الفيدرالي لدينا يجد نفسه أمام تضخم مصحوب بركود بشكل مربك. لماذا بشكل مربك؟
عندما يواجه مسؤولو الخزانة أو محافظو الاحتياطي الفيدرالي لدينا نمواً هائلاً غير طبيعي على مستوى الأسعار وعلى مستوى الإنتاجية، أو يواجهون انكماشاً كبيراً في الأسعار وتدهوراً في الفرص الوظيفية، فإن خبراء العصر الحديث لا يكون لديهم شك فيما يجب فعله. في الحالة الأولى يكون أمامك خطوتان: الحد من حجم الائتمان الذي يقدمه الاحتياطي الفيدرالي وإجراءات شد الأحزمة. في الحالة الثانية يجري الاتجاه نحو توسيع الأنشطة. لا يوجد أي ارتباك أو لبس في هذا الصدد.
أما في حالة الركود المصاحب لتضخم فإن الأمر مختلف. فأي إجراء قد تم أخذه في السبعينات من أجل تعويض التضخم كان يتسبب بالضرورة في زيادة وضع الركود سوءاً. والعكس أيضاً صحيح. فحتى عالم ليست له علاقة بالاقتصاد مثل ألبرت أينشتاين يمكن أن يتفهم ذلك.
بن برنانكي ووزير الخزانة هنري بولسون لديهما مشكلة، غير أنها مشكلة أقل صعوبة في درجتها. الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي ألن غرينسبان كان قد توقع بأن إمكانية حدوث الركود لا تزيد على 30%. في حال حدوث تلك الإمكانية في النهاية، فإنه سيكون من المثير أن نرى كيف سيحل الدكتور برنانكي إشكالياته الحتمية الحدوث.
واستناداً إلى الأدلة الإحصائية الواردة فإنه لزاماً عليّ التخمين بأن استمرار ضعف نمو إجمالي الناتج المحلي الأميركي سيستمر إلى نهاية العام، الأمر الذي يثير سؤالاً جوهرياً: ماذا إذا تسببت المشكلات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وكذلك المشكلات في افريقيا وأميركا اللاتينية في ارتفاع أسعار النفط لتصل إلى مستويات قياسية مثل 70 أو 80 دولاراً للبرميل. في هذه الحالة سيلجأ الاحتياطي الفيدرالي بالتأكيد إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من المحافظة عليها كما هي.
في حال حدوث مثل هذا الأمر، فلتصدقوني أنه ستحتدم مستويات النقاش الاقتصادي بشكل كبير للغاية.
الأمواج الهادئة أحياناً هي الهدوء الذي يسبق العاصفة. الأغبياء والدجالون هم فقط من يدعون أنهم يعلمون متى تغير الأمور مسارها وتتحول إلى الاتجاه المعاكس.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»