بعد أيام قليلة، وتحديدا يوم 16 مايو الجاري تنتهي الفترة الرئاسية لجاك شيراك كرئيس للجمهورية الفرنسية. سيعود مواطنا عاديا بعد اثنتي عشرة سنة أمضاها في قصر الاليزيه منذ شهر مايو 1995.
سينتقل جاك شيراك من القصر الرئاسي إلى شقّة باريسية تعود لأحد أبناء رئيس وزراء لبنان الأسبق المرحوم رفيق الحريري. أثار هذا الخيار، وفيما هو أبعد من دلالته الرمزية على الصداقة الشخصية، بعض الاستغراب والتساؤل فيما يتعلق بدلالته السياسية. بكل الأحوال ستكون إقامة «مؤقتة جدا» حسب مصادر الاليزيه نفسها. هذا لاسيما وأن رؤساء الجمهورية الفرنسيين السابقين يضمن لهم الدستور حياة لائقة وسكنا ومكتب للعمل على نفقة الدولة.
بعد أيام إذن سيودع جاك شيراك قصر الرئاسة، وسيختتم مسيرة سياسية استمرت أكثر من أربعين عاما منذ أن جرى انتخابه مستشارا في إحدى بلديات منطقة «الكوريز» الفرنسية عام 1965 ثم نائبا شابا عنها في الجمعية الوطنية (البرلمان) عام 1967. أربعون عاما عرف فيها النيابة والوزارة ورئاسة الحكومة ورئاسة بلدية باريس لمدة 17 عاما ـ ما بين 1988 و1995 ـ ثم رئاسة الجمهورية.
أربعون عاما خبر فيها آلاعيب السياسة ودهاليزها وتآمراتها. «تآمر» على جاك شابان دالماس، الديغولي مثله، الذي كان المرشح المرجّح لخلافة الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو عند وفاته. لكن شيراك أقصاه عن الرئاسة ودعم فاليري جيسكار ديستان كي يصبح الرئيس الثالث للجمهورية الفرنسية الخامسة. ثم «تآمر» على هذا الأخير وفعل كل ما في وسعه من أجل عدم إعادة انتخابه رئيسا من جديد.
ويشير ديستان، و«على ذمته»، في كتاب صدر له منذ أسابيع قليلة إلى أن شيراك قد أوعز للكثيرين من أعضاء حزبه كي يقترعوا لصالح خصمه المرشح الاشتراكي فرانسوا ميتيران عام 1981. لقد «تآمر» شيراك على شابان دالماس وبعده على جسكار ديستان، ثم«تآمر عليه» صديقه لثلاثين سنة ادوار بالادور، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، عندما رشح نفسه للانتخابات الرئاسية - خارقا بذلك اتفاقا مسبقا بينهما- عام 1995.
إنها السياسة، عالم المؤامرات والتآمر بامتياز. وشيراك عاش في السياسة، بل وأدمنها حتى الثمالة. وإذا كان قد وصل إلى حيث وصل، أي إلى قمة السلطة وتربّع عليها، فإن هذا يعود أولا وأساسا، إلى قدرته في أن يسلك الدروب الوعرة «الملتوية». باختصار لم يكن قديسا، ولكن الساسة القديسين نادرون.
شيراك في السياسة مثل سمكة في الماء إذا خرجت منه تموت. ولعله يواجه هذه الأيام أصعب تجارب حياته، ويبحث عن دور مستقبلي. هكذا بدأ الحديث عن «مؤسسة شيراك» لحماية البيئة وتنشيط التنمية. ولعله مدفوعا إلى ذلك ب«هواه الإفريقي»، إذ كان مؤخرا وراء عقد مؤتمر كبير في باريس حول البيئة، طرح فيه بوضوح مشكلة النهب المستمر للقارة الإفريقية. ومن أهم المنجزات التي (يفتخر بها) في عهده إنشاء متحف الفن الإفريقي بالقرب من برج ايفل وحيث أكّد عند افتتاحه على المساواة بين البشر وعدم وجود تراتبية بينهم وبين فنونهم.
لقد قيل عن شيراك انه «متواضع الثقافة»، لكن هذا لا يعني إهمال واقع معرفته الجيدة والدقيقة بثقافات آسيا وإفريقيا في وقت لم تكن تحظى فيه باهتمام كبير في الغرب. ولعله كان سابقا لعصره في تأكيده على أهمية حوار الثقافات المطروح بقوة في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، وباعتبار أن هذا الحوار شرط أساسي للسلام وتوازن العالم.
«الفراغ» قد يكون الخطر الأكبر الذي يتهدد شيراك في الفترة القادمة فهو رجل أمضى حياته في العمل. يعمل طويلا - لمدة سبعة أيام كل «أسبوع»- وينام قليلا. وقد ظل محافظا على هذا الإيقاع مؤكدا أنه يريد أن يبقى رئيسا «فاعلا» حتى الدقيقة الأخيرة من رئاسته ويدير بنفسه «أمور المنزل»، أي الاليزيه. إنه في الرابعة والسبعين من العمر. ولم يستبعد الكثيرون إمكانية ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة.
وقد انتظر حتى تاريخ 11 مارس 2007 كي يعلن لمواطنيه الفرنسيين أنه لن يكون مرشحا من جديد. وقد أكّد لهم بنفس الوقت أنه سيتابع خدمة فرنسا ب«طرق أخرى». شاهده يومذاك 22 مليون فرنسي على شاشة التلفزيون، حسب تقديرات المؤسسات الإعلامية المختصة. لقد عرف كيف «ينتهي» رئيسا محبوبا. أصدقاؤه وخصومه حيّوا كلمته الوداعية المتلفزة وما تضمنته من دعوة للنضال ضد التطرف والتمييز العنصري ولاحترام الطبيعة العلمانية للدولة ودعم التنمية المستدامة.
عايش شيراك فترة الجنرال ديغول وخبر مواقع السلطة العليا في عهد بومبيدو وجيسكار ديستان وميتيران. وبنهاية فترة رئاسته تشهد الحياة السياسية الفرنسية منعطفا كبيرا، بل قطيعة حقيقية. فالرئاسة بعده تعود إلى جيل الشباب، جيل آخر غير جيل المؤسسين لمسار الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أقامها الجنرال ديغول عام 1958.
القطيعة قد تكون أكبر على صعيد السياسة العربية لفرنسا، والمرحلة القادمة تبدو مثل خطوة في المجهول بالنسبة لهذه السياسة بعد «شيراك العرب»، كما جاء في عنوان أحد الكتب الصادرة مؤخرا. شيراك «يحب الفلسطينيين والعرب» كما تردد كثيرا. ولا تزال عالقة في الأذهان تلك الصورة التي نقلتها جميع تلفزيونات العالم عندما كان في أحد شوارع القدس محاطا بحرّاس إسرائيليين أرادوا منعه من الحديث مع الفلسطينيين في الشوارع. يومها قال لهم غاضبا: «ماذا تريدون؟ هل تريدون أن أعود إلى طائرتي»؟
وشيراك هو الرجل الذي قال «لا» للحرب الأميركية البريطانية ضد العراق في ربيع عام 2003. وهو صاحب الجملة الشهيرة في جامعة القاهرة خلال شهر أبريل 1996 التي جاء فيها حرفيا: «ينبغي أن تكون السياسة العربية لفرنسا بعدا أساسيا في سياستها الخارجية». هذه السياسة الخارجية غابت كثيرا عن الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية في فرنسا، وخاصة في بعدها العربي. وعندما تحدث نيكولا ساركوزي عن منطقة الشرق الأوسط ركّز أولا على أمن إسرائيل - والباقي يأتي بعد ذلك. والسيدة سيغولين روايال أشارت إلى ضرورة التعامل مع المبادرة العربية للسلام بالخط العريض ودون أية تفاصيل.
تبقى السياسة العربية لفرنسا ما بعد شيراك أمرا مجهولا، ومفتوحا لكل الاحتمالات. ولعل ما (يطمئن) قليلا هو أن ميتيران كان صديقا معروفا لإسرائيل لكنه كان أول رئيس أوروبي يستقبل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في باريس وهو الذي طالب أمام الكنيسيت الإسرائيلي بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة. كان نابليون يقول: «الجغرافيا هي التي تحدد سياسة أي بلد». وسياسة فرنسا الخارجية ببعدها المتوسطي والأوروبي لم تكذب نابليون حتى شيراك. لكن يبقى السؤال قائما: هل تبدأ فرنسا، بعد شيراك، مسيرة جديدة تبعدها عن المتوسط وتجعلها أطلسية الهوى والتوجه!
«شيراك يحب العرب» و«العرب يحبون شيراك». كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أعلن أثناء زيارة قريبة له في باريس أنه سيتم إطلاق اسم الرئيس الفرنسي جاك شيراك على أحد الشوارع الرئيسية في رام الله. إنها «سابقة». وهل تكون لها «لاحقة»؟ المعروف عن شيراك أنه رجل لا يحب لحظات الوداع والنهايات.
ثم هناك «حياة حتى الموت» كما قال في تصريح له مؤخرا في معرض الحديث عن فترة حياته «ما بعد السياسة». بعد أيام ستبدأ حياته «الجديدة» في دور «المتفرج» على مسرح شغله، على هذه الدرجة أو تلك، لمدة 40 سنة. إنها نهاية مسيرة سياسية لشخص... ونهاية حقبة... وجيل.
كاتب سوري ـ باريس