تتنوع المنظمات الدولية بتنوع النشاط الإنساني، وهي في هذا قد أنشأت لخدمة دول بعينها أو إنها قد أنشأت بغرض تقديم خدمات تخصصية محددة في مجالات الطفولة والمعاقين والتعليم والثقافة والعمل أو لخدمة مناطق جغرافية محددة في العالم... وغيرها. وهي رغم أنها تابعة للدول الأعضاء المُشكلة لها إلا أنها أو بعضها على الأقل لها هامش كبير من الاستقلالية.
وفي حين أن بعضها قد فشل في تحقيق أهدافه وأغراض نشأته، إلا أن بعضها الآخر قد استطاع أن يحقق جل أهدافه أو بعضها على الأقل. وفي حين بعضها يشكل واجهة إعلامية لدول محددة أو واجهاتها أو أدواتها السياسية، فإن بعضها الآخر رغم تبعيته الاسمية لهذه الدول إلا أنه دائم النقد لها وتحديداً في ممارساته المتعلقة بحقوق الإنسان. ورغم هيمنة بعض الدول على المنظمات الدولية إلا أن ذلك لا يعفيها من النقد الدائم لها، وأحيانا الرفض الدائم لممارساتها على الصعد السياسية والإنسانية المختلفة.
وكلامنا السابق ما هو إلا توطئة لحديثنا التالي عن حضور الخليج أو الخليجيين في المنظمات الدولية سواء أكانت العاملة منها في المنطقة العربية، أو في العالم الثالث أو في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك. فرغم الثقل الاقتصادي الذي باتت تحتله دول المنطقة على الصعيد العالمي ورغم ثقلها السياسي المتصاعد في المنطقة العربية، إلا إن حضورها في المنظمات الدولية كموظفين عاملين مازال حضورا قاصرا.
فقد لا يتجاوز عدد العاملين من دول الخليج العربي في كل المنظمات الدولية، الخمسة والعشرين موظفا جلهم من النساء الخليجيات، من إجمالي يفوق في عدده 6500 موظف عامل في المنظمة الدولية ووكالاتها الأممية المنتشرة حول العالم. وأعرف أن هناك ما لا يتجاوز الثلاثة من البحرينيين العاملين في هذه المنظمات ولا يحضرني إذا ما كان هنا أيا من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة أو عمان أو قطر يعملون في المنظمة الدولية وقد يكون هناك عدد محدود جد من الكويتيين أو عدد أكبر من السعوديين يعملون في هذه المنظمة.
ولا يتجاوز من يترأس قيادة منظمات دولية إقليمية أو تخصصية عن اثنين وكلاهما من المملكة العربية السعودية. وقد جاء ترؤسهما لهذه المنظمات بسعي شخصي وإن تم بعد ذلك بدعم رسمي. وقد نُظر دائما للخليجيين من الراغبين في العمل في هذه المنظمات الدولية بدرجة أدنى من الآخرين، سواء أكان ذلك من حيث الكفاءة أو الحاجة للعمل أو الترقي الوظيفي فيها. لأسباب ذات علاقة بالنظرة العامة المكونة عند بعض العرب والعالم عن الخليج والخليجيين سواء أكان ذلك من حيث الكفاءة والمعرفة أو من حيث ثراء المنطقة وعدم الحاجة للعمل واكتساب الخبرة.
وفي الوقت الذي تسعى معظم دول العربية بل بالأحرى معظم دول العالم لدفع ودعم ترشح بعضا من كفاءاتها المحلية لقيادة المنظمات والمكاتب الدولية الإقليمية والمتخصصة، أو السعي لتنسيب بعض من مواطنيها للعمل في هذه المنظمات سواء أكان ذلك بعضا من وزرائها السابقين أو كبار موظفيها أو بعضا من أساتذة جامعاتها ذوي المكانة العلمية والمعرفية المتقدمة. وإذا ما كان هذا الأمر مفهوما قبل ثلاثة أو أربعة من العقود الماضية، عندما كان حجم الكفاءات المحلية محدودا وشحيحا. أما أن يستمر ذلك حتى الآن فهو أمر غير قابلا للتعليل.
ويرجُع البعض إحجام دول المنطقة عن دفع الكفاءات من مواطنيها للعمل في هذه المنظمات لمحدودية معرفة هذه الدول بآليات العمل في هذه المنظمات والفوائد التي يمكن أن تحصل عليها على الصعد الفنية والمعرفية وتحديدا في تلك المنظمات الإقليمية والتخصصية.
فالعمل في المنظمات الدولية يكسب الفرد خبرة فنية ومعرفة مهمة بتجارب الدول وطرائق تنفيذ برامجها الإنمائية أو في تجاوز معضلات هذا التنفيذ. كما أنه يكسب العاملين فيها معرفة ميدانية بتجارب الدول في قضايا التنمية والبيئة والطفولة والمرأة ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومكافحة الجريمة وقضايا الهجرة للعمل وحقوق الإنسان والتعاون الدولي... وغيرها.
وقد ترغب بعض دول المنطقة في ترشيح أحد مواطنيها لقيادة أحد المنظمات الإقليمية أو التخصصية الدولية، إلا أن افتقاد هذه المبادرة لقدر عالي من التنسيق مع دول المنطقة أو الدول العربية قد يفشل هذه الرغبة. بمعنى آخر إن هذه الرغبة أو المبادرة يفترض أو توظف ثقل دول المنطقة كتجمع إقليمي من ناحية وأن توظف ثقلها كذلك عند الدول العربية الأخرى أو الدول الصديقة، لدعم مرشحها في ذلك.
ويبقى القول إن بعضا من المنظمات الإقليمية والدولية قد احتكرت قيادتها ولربما فائدتها، دول بعينها دون غيرها، الأمر الذي حول هذه المنظمات إحدى مجالات التوظيف الرئيسية لمواطنيها. وباعتقادي فإنه قد آن الأوان لكي تعمل دول المنطقة وبشكل جاد وحثيث ومنظم في إيصال بعض من كفاءاتها المحلية لقيادة بعض من هذه المنظمات، كسبا للخبرة والمعرفة وانتزاع اعتراف دولي بالقدرات المحلية المتقدمة في مجالات المعرفة المختلفة.
كاتب بحريني