عندما شرعت في كتابة هذه الزاوية استوقفتني حالة البؤس والكآبة المرسومة على وجه رئيس وزراء الكيان الصهيوني إيهود أولمرت وهو يستمع ويقرأ كل حرف جاء في تقرير لجنة «فينوغراد» بشأن نتائج العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو الماضي.
هذه الصورة قابلتها صورة «نجاة النادي» الأم الشابة التي تصدت لجنود الاحتلال الصهيوني بيدين عاريتين تقاوم اعتقال فلذة كبدها «نادي رائد» عند حاجز «حواره» شمال نابلس المحتلة متحدية كل بنادق الجنود المصوبة نحو صدرها ولتنتزع ابنها من بين مخالبهم وتضمه لصدرها وتشد من أزره بقبلة على جبينه المعصوب العينين والمشدود الوثاق، مؤكدة أن الكف الفلسطينية تقاوم المخرز الصهيوني.
هل هناك ابلغ من الصورة تحكي تاريخ شعب يخوض نضالا غير متكافئ منذ أكثر من قرن مستمدا قوته من إيمانه بالله وبعدالة قضيته وصلابة أبنائه ومتيقنا بحتمية الانتصار وزوال الاحتلال وبطشه لان دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
وعودة إلى تقرير «فينوغراد» فنحن لا نعول كثيرا على تداعياته وتوابعه المزلزلة على الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني لأننا نعلم تماما أنها ستعود أكثر تماسكا وصلابة في وجه «عدوهم» من العرب وكل من ناصرهم من الأمم، وندرك تماما أن نتائج التحقيق وتوصيات اللجنة ستطيح برؤوس متهمة بالتقصير وعدم الخبرة خلال حرب ال33 يوما التي خاضتها القوات الصهيونية على ارض لبنان العزة والهامة المرفوعة،
ونعلم تماما أن من سيأتي في المرحلة القادمة سيكون أكثر شراسة في مواجهتنا وأكثر تمسكا وإخلاصا للفكر الصهيوني القائم على العنصرية وسياسة البطش والقوة واغتصاب الأرض. وهذه الحرب تذكرنا بحرب عام 1973 التي خاضتها الأمة العربية وحققت فيها نصرا أطاح برأس «غولدا مائير» رئيسة الوزراء الصهيونية آنذاك وبكثير من القادة من سياسيين وعسكريين، وتأثرا بنتائج التحقيق في الحرب والتقرير الذي سمي «المحدال» ويعني التقصير بالعربية، حيث قفز الجنرال «إسحاق رابين» إلى كرسي رئاسة الوزراء خلفا لـ «مائير».
لكن ما يهمنا أكثر هو ما قد يحدث داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل خاص وعلى صعيد الصراع العربي ـ الصهيوني عامة. فمن عادة الكيان الصهيوني عند تعرضه لأي مأزق داخلي تصدير هذا المأزق للخارج لأنه يوحد الجبهة الداخلية ويصوب الأنظار نحو الخارج.
إذن لا نستبعد أن يقوم الذئب الجريح إيهود أولمرت ووزير الحرب عمير بيريتس والقادة العسكريون لديهما باقتحام غزة أو ضرب أجزاء منها بالطائرات والمدفعية البعيدة بحجة تدمير الأنفاق وتحرير الأسير «جلعاد شليت» تماما كالعدوان على لبنان بحجة «تحرير الجنديين» الأسيرين الذين ما زالا في الأسر بعد انتهاء الحرب التي شنت من اجلهما.
وقد يلجأ قادة العدو الصهيوني في المرحلة المقبلة بشن حرب ضد سوريا أو الإغارة على المنشآت النووية الإيرانية بمئات الصواريخ البعيدة المدى كما أعلن «أولمرت» ضمن زلات لسانه الكثيرة التي تكشف مكنوناته ورغباته.
نحن كعرب علينا اخذ العبرة مما يجري في الكيان الصهيوني والاستفادة من دروس لجنة «فينوغراد» لتعمم لجان التحقيق العربية وتشرع في وجه المقصرين والفاشلين الذين قادوا الأمة من هزيمة إلى أخرى ومن انكسار إلى آخر بينما ارتفعت أسهمهم وعلت مراتبهم وازدادت النياشين والرتب المعلقة على صدورهم وأكتافهم وانتفخت أوداجهم وبطونهم. حقيقة أخرى أكدها تقرير «فينوغراد» وهي حسم نتيجة الحرب على لبنان بالإقرار بفشل العدوان وانتصار لبنان و المقاومة الوطنية.
وليس أدل من ذلك غير المظاهرات التي ينظمها عشرات الآلاف من اليهود ضد نتائج الحرب وضد من شنها كما أن استطلاعات الرأي «الإسرائيلية» تؤكد هذه الحقيقة، كما خلص قادة لبنان أيضا إلى أن تقرير فينوغراد أكد على نصر لبنان وانتصار إرادة الصمود والمقاومة.
هذه الصورة على الأرض اللبنانية تعزز صورة الأم الفلسطينية عند حاجز الذل في «حواره» وكل جدار عازل لا يمكن أن يزول إلا بيد قوية تحمل فأسا أو حجرا أو تطلق صاروخا ورصاصة تحدث ثقبا ولو صغيرا في الجدار العنصري لعله ينفذ إلى العقل الإسرائيلي أو الفلسطيني الخانع المستسلم فيزيل من رأس الأول أوهام التفوق والقوة ومن رأس الثاني أوهام السلام وتغيير الصهيوني لجلده أو تخلي الأفعى عن سمومها.
musaabueid@hotmail.com