العراق يغوص في الوحول يوما بعد آخر، وبدلا من إعادة الإعمار والانطلاق نحو مجتمع مستقر أصبح الهاجس الرئيسي للعراقيين اليوم هو البقاء أحياء. ويبدو جيران العراق أكثر قلقا وهم يسعون بكل وسيلة وترتيب المؤتمرات الإقليمية حول العراق في محاولة للحد من تأثيرات المرجل العراقي وما يفور منه، لكن هذا القلق المتصاعد له سبب وجيه جدا من المنظور التاريخي: لا أحد يملك جواباً عن مستقبل العراق.

إن الأمر ينطوي على مفارقة حتما، ففيما يغوص العراقيون في حقول الألغام التي خلقها الاحتلال ومحاولة إعادة بناء الدولة، يخوض جورج دبليو بوش صراعا مع الكونغرس الذي يهيمن عليه الديمقراطيون حول موضوع واحد الآن: بقاء القوات الأميركية أو انسحابها. لقد استخدم بوش الفيتو ضد مشروع قرار تقدم به الديمقراطيون لتحديد جدول زمني لسحب القوات الأميركية من العراق.

وثمة جدل متصاعد في واشنطن دي سي حول بقاء القوات الأميركية في العراق أو انسحابها. لكن المؤكد أن لا البيت الأبيض ولا الإدارة بأكملها ولا خصومها يملكون جوابا واحدا عن المستقبل، مستقبل العراق، لذلك تبدو فكرة الانسحاب من العراق محملة بكل الهواجس الكارثية وأسوأ السيناريوهات.

هكذا انتهى ضجيج الحرب على العراق وجبل الأكاذيب الذي تم بناؤه بدأب حول نوايا الغزو: صلات مفترضة مع تنظيم القاعدة ثبت عدم وجودها أصلاً، امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت قطعا أن النظام السابق لم يكن يملك أي منها. أما آخر الأكاذيب فهي كذبة خلابة تتعلق بالمستقبل نفسه: نموذج للديمقراطية في المنطقة.

تعيد مجلة «نيوزويك» تذكيرنا بتاريخ طويل من الانسحابات الأميركية: الانسحاب من فيتنام مع صورة شهيرة اختزلته جليا: فيتناميون يتعلقون بالطوافات الأميركية في محاولة للهروب. الانسحاب من لبنان عام 1983 بعد تفجير مقر المارينز في بيروت تبعه تصاعد في وتيرة الحرب الأهلية في لبنان. وأخيراً انسحاب من الصومال في التسعينات غرق معه الصومال في حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس. (نيوزويك: 1 مايو 2007).

منذ فترة، لا احد يتحدث في العراق عن الديمقراطية وتلك الأكاذيب الخلابة حول الدمقرطة والنموذج الرائد حل محلها اليوم مخاوف وتحذيرات من حرب أهلية أو طائفية لم تعد تقلق العراقيين فقط بل المنطقة بأسرها.

هكذا، وبعد أكثر من أربع سنوات على الإطاحة بالنظام السابق، فإن سلسلة الأخطاء التي لم تتوقف لم تفعل سوى أن راكمت سجلا مخفقا أيما إخفاق لعملية غزو العراق واحتلاله ولم يتحول العراق إلى نموذج للديمقراطية بل نموذج مخيف للحرب الأهلية التي يجري تغذيتها بدأب ومثابرة من سياسات الاحتلال وقصر نظر الزعماء المحليين وتهافتهم على المكاسب الطائفية والفئوية.

وبالمقابل، فإن هذا الوضع وسجله المخفق وثماره الدموية لا يدفع اشد منتقدي الاحتلال حتى الآن إلى عقد مقارنة مع فترة ما قبل الاحتلال. أي أن الاحتلال بكل ما ترتب عليه لابد أن يدفع إلى مقارنة لا مناص منها مع عهد النظام السابق ورئيسه الراحل صدام حسين. هذا أمر لا مناص منه يفرضه ما يجري في العراق منذ أربع سنوات، لكن العبرة هي نفسها. فإذا كان الأميركيون لا يملكون حتى اليوم أي تصور لمستقبل العراق، فإن العراقيين أنفسهم والعرب من حولهم أيضاً لا يملكون حدا أدنى من تصور لمستقبل العراق.

نعم يغوص العراق في وحول الاحتلال وعشرات القضايا الشائكة التي فجرها ودفع بها إلى السطح. وسواء تعلق الأمر بإيقاظ النزعات الطائفية أو خلو العراق من رجال دولة حقيقيين لا زعماء طوائف أو مطامع الجيران كل بأجندته الخاصة، فإن الوضع بأكمله لا يعني سوى ان المستقبل هو كلمة السر الضائعة اليوم في العراق.

هناك عملية سياسية أطلقها الاحتلال وهي مستمرة وماضية، لكنها موضع انقسام شديد بين العراقيين. وعملية البناء السياسية والعسكرية والاقتصادية، تواجهها العوائق من كل نوع. فالشرعية المفترضة للمؤسسات السياسية من حكومة وبرلمان يقابلها وجود المليشيات الحزبية وتأثيرها القوي والفاعل الذي لا يفعل سوى أن ينتقض من شرعية المؤسسات السياسية ويدفعها للتآكل.

والحديث عن عملية سياسية وبرنامج زمني لانجاز بناء الدولة، لا يمكن أن يسير بالسلاسة المفترضة طالما أن الانقسام العميق مازال قائما حول أولويات لا مفر منها: الاحتلال، الوحدة الجغرافية للعراق. والحديث عن بناء الدولة لا يمكن أن يشيح بوجهه عن نزاع مسلح وتناقضات داخلية جلية بين العراقيين حول الأولويات تفجرت في صراع ومواجهات مسلحة، أي التعبير المخفف حتى الآن لحرب أهلية.

هكذا ففي غياب أي رؤية لمستقبل العراق حتى على المدى القريب، لا يبدو أن انسحاب القوات الأميركية من العراق سيقدم معنى مغايرا لكل تلك الانسحابات التي سبقته: من فيتنام في السبعينات، ولبنان في الثمانينات والصومال في التسعينات.. إعلان هزيمة.

وفي كل الأحوال، فإن التدخل من أساسه يتم دوما بدوافع معلنة هي مزيج من الأكاذيب والدعاية والأهداف السامية، لكن الأميركيين يبدون اليوم في العراق مثلما كانوا في فيتنام وفق مسؤول سابق في وكالة المخابرات المركزية هو فرانك سنيب الذي أرخ ـ وفقا لنيوزويك ـ (1 مايو) لسقوط سايغون في كتاب بعنوان «فاصل ملائم» حيث يقول «فشلنا في التفكير بما لا يمكن التفكير فيه في فيتنام هو الذي أدى إلى الفوضى في النهاية».

كاتب بحريني