اسمه بالكامل «البنك الدولي للإنشاء والتعمير». والاسم المختصر هو «البنك الدولي». وبصرف النظر عن الجدية التي يوحي بها الاسم فإن هذه المؤسسة ليست دولية.. وليست معنية بالإنشاء والتعمير.. بقدر ما هي معنية بالمناورات السياسية. والبنك «الدولي» له شقيق هو «صندوق النقد الدولي».
وهو أيضا مؤسسة لا علاقة لها بالواجبات الدولية. وعندما أعلن رئيس فنزويلا هوغو شافيز قبل أيام انسحاب بلاده من عضوية هاتين المؤسستين فإنه كان لسان حال دول العالم الثالث الفقيرة. لقد خرجت هاتان المؤسستان إلى حيز الوجود في أعقاب الحرب العالمية الثانية. أنشئ البنك الدولي لتمويل مشروعات ذات طابع تنموي في البلدان الفقيرة بينما أنشئ صندوق النقد الدولي لمساعدة هذه البلدان في تصحيح ميزان المدفوعات وتثبيت أسعار صرف العملة الوطنية.
وهكذا كان المفترض نظرياً أن يتكامل دور المؤسستين للانتقال بالبلدان الفقيرة إلى رحاب الازدهار التنموي في إطار اقتصاد وطني مستقر لكنها كانت نظرية خادعة منذ الوهلة الأولى. فإدارة كل من البنك والصندوق ظلت منذ إنشائهما وحتى اليوم خاضعة للإرادة السياسية لدولة واحدة هي الولايات المتحدة لأنها تملك وحدها 40 في المائة من رأسمال كل من المؤسستين وبالتالي فإنها في وضع شبه احتكاري من حيث عملية صنع القرار.
هناك مثال كلاسيكي دخل التاريخ الاقتصادي والتاريخ السياسي في آن معاً: مشروع السد العالي في مصر، كان مشروعاً ذا جدوى اقتصادية استراتيجية لا شك فيها. ولهذا قبلت إدارة البنك الدولي مبدئياً مهمة تمويله. لكنها انسحبت من التزامها لسبب سياسي عندما رفض الرئيس جمال عبد الناصر إلغاء صفقة أسلحة ضخمة مع المعسكر السوفييتي لرفع الكفاءة القتالية للجيش المصري.
في الأمس كما في اليوم كان رئيس البنك الدولي أميركياً وفقاً لما تنص عليه لائحة البنك. والقرار الذي اتخذه رئيس البنك حينئذ يوجني بلاك بإلغاء تمويل المشروع المصري كان في حقيقة الأمر استجابة لقرار سياسي من الإدارة الأميركية يتبناه بحماسة وزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي كان ولاؤه الشخصي لإسرائيل والحركة الصهيونية فوق كل اعتبار آخر.
على هذا المنوال تتخذ إدارة صندوق النقد الدولي أيضاً قراراتها المالية. وعند إنشاء الصندوق في منتصف أربعينات القرن المنصرم قال عنه الاقتصادي العالمي الشهير جون كينز قولاً فصلاً لا تزال أصداؤه تتردد حتى اليوم في الدوائر الاقتصادية الدولية، فقد أعلن كينز أن الصندوق ليس في حقيقته سوى قسم يتبع وزارة الخارجية الأميركية.
ويتماثل مع هذا الحكم الصائب ما ورد على لسان الرئيس الفنزويلي شافيز في شرح قراره بالانسحاب من الصندوق، فقد قال إن الصندوق «أداة بيد الامبريالية الأميركية لفرض سياسات اقتصادية واجتماعية وحشية».
أجل يقدم الصندوق قروضاً إلى دول فقيرة لكنه يسترد قيمة القرض أضعافاً مضاعفة بأن يفرض على الدولة المقترضة تفكيك القطاع العام وبيع شركات بتراب الفلوس إلى شركات غربية أو وكلاء محليين لهذه الشركات. ومن ثم تنزلق الدولة المقترضة على طريق ينتهي بها إلى إفلاس الاقتصاد الوطني. وهكذا اتخذت فنزويلا شافيز خطوة تحررية عملاقة ستكون بلا شك سابقة يحتذى بها في العالم الثالث وخصوصاً في أميركا اللاتينية.