انفضت اجتماعات مؤتمر شرم الشيخ، بإصدار «وثيقة العهد الدولي مع العراق» ومن بعدها عقد بالمنتجع المصري ـ أمس ـ مؤتمر دول الجوار بمشاركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وصاحبت كل تلك اللقاءات بيانات وتصريحات من الوفود تحمل من الكلمات والأقاويل ما يكشف عن رغبة إقليمية ودولية، في انتشال أرض الرافدين من المحنة التي يدفع ثمنها الشعب العراقي الشقيق.
تبارت الوفود ـ وخاصة العربية ـ في طرح رؤاها ومواقفها خلال اجتماعات شرم الشيخ لإنقاذ الوطن العراقي الجريح. والإمارات العربية المتحدة برؤيتها العربية والقومية الصادقة، قالت كلمتها أمام المجتمعين، فأكدت من جديد حرصها الدائم على مواصلة دعم حكومة العراق وشعبه لمساعدتهما في جهودهما الرامية إلى بناء عراق آمن ومستقل وموحد يتمتع بالسيادة الكاملة وينعم بالرخاء والتنمية.
وقال معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير تطوير القطاع الحكومي أمام المؤتمرين: إيمان دولة الإمارات راسخ بأهمية المحافظة على السيادة الوطنية والوحدة الإقليمية للعراق وعدم التدخل في شؤونه الداخلية وإدانة الأعمال الإرهابية التي تستهدف الأبرياء والمدنيين.
موقف الإمارات يعبر بصدق وموضوعية وشفافية عن نبض الشارع العراقي والعربي. فلا أحد يستطيع أن ينكر حاجة العراق إلى الأمن والاستقلال والسيادة الكاملة والتماسك في كيان عربي واحد غير قابل للتجزئة. ولا أحد يقبل بأن يلتزم الصمت على العنف الذي ينال من الأبرياء وعلى رأسهم الأطفال والكهلة أو يرضى بمشاهدة حمامات الدم التي لا تجف فوق أرض الرافدين مهد أعرق وأرقى الحضارات الإنسانية.
لقد امتدت الأيادي الكريمة لرفع المعاناة الاقتصادية عن الشعب العراقي بتعهد الدول المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ بإسقاط 30 مليار دولار من ديون العراق. وفي الوقت نفسه، تعهدت من جديد دول الجوار في مؤتمر الأمس، على أن تمد يد العون للمساعدة في إيقاف نزيف الدم العراقي.
إذن هناك رغبة إقليمية ودولية صادقة في انتشال العراق من محنته. ولكن تلك الرغبة تصطدم بواقع أليم يتمثل في:
- عدم وضوح الرؤية بالنسبة لإنهاء الاحتلال الذي جلب الشقاء والمعاناة للعراقيين بدلا من أن يأتي لهم بما تعهد به المحتلون من وعود بالديمقراطية والرخاء.
- الاحتقان الطائفي الذي يتصاعد حينا ويثير مخاوف كل محب للوطن العراقي الشقيق من انفراط عقده.
- عدم توافر بنية أمنية وعسكرية وطنية قوية تضمن للمواطن البسيط وأسرته أمنه واستقراره وسلامته وسيادته على أرضه.
إن الطريق إلى بناء عراق يسوده الأمن والاستقرار وينعم شعبه ـ الصامد على ما ابتلي به ـ سيظل رهن هذا الواقع الذي يثير الأسى في النفوس.
العراق، لا يكفي أن تمتد إليه الأيادي لمساعدته على تضميد جراحه. العراق لا تكفيه وثيقة «العهد الدولي» كخريطة طريق تستهدف استقراره الاقتصادي والسياسي. ولا يكفيه تضامن وتكاتف جيرانه لمنع العنف الذي يبدو وكأنه لانهاية له. العراق سيدور في حلقة مفرغة، ما لم يسرع المحتلون في البحث عن صيغة جادة للخروج وإنهاء الاحتلال دون الإضرار بأمن الشعب العراقي.
والعراق يحتاج قبل كل شيء إلى أن يجتث من أرضه جذور الفتن الطائفية ويحافظ أبناؤه على وحدة أراضيه بقلب رجل واحد. العراق يحتاج إلى أن يتبنى أبناؤه مشروعا وطنيا وعقدا اجتماعيا ينبذ الطائفية البغيضة ويضمن بقاءه كيانا واحدا تنصهر فيه كل الأطياف والمذاهب.