يتيح اليوم العالمي لحرية الصحافة فرصة فريدة ليقف الجميع أمام المرآة ويدقّقوا فيها بجرأة وبمسؤولية بغية اكتشاف مواطن القوة ودعمها وتشخيص مواطن الضعف والخلل والعمل على تداركها..
الرسالة الاعلامية، مثل كل عمل إنساني هي نضال متواصل وجهد يومي لمزيد التطوير والإثراء والتنويع.. ولأنها كذلك فهي تحتاج الانخراط الكامل واللامشروط لكل أصحاب النوايا الخيّرة ولكل الكفاءات والطاقات المبدعة لمزيد الارتقاء بها..
وتمكينها من أداء وظيفتها داخل المجتمع على الوجه الأكم وبشكل يضمن الموَاءمة بين مستوى ونوعية الخطاب الاعلامي المروّج في مختلف وسائل الاعلام وبين درجة الوعي والنضج والإدراك التي بلغها المواطن التونسي ـ والتي جعلته يميز الغثّ من الّمين ويطمح، وهذا طموح مشروع، لأن يرى صحافته الوطنية تلتحم أكثر بشواغله وتهتمّ أكثر بالمصاعب اليومية التي يلقاها وبالقضايا الوطنية والقومية الكبرى التي تشدّ اهتمامه.
نحن في تونس بلد راهن على ديمقراطية التعليم، بل وعلى اجباريته.. وهذا الزرع من شأنه أن يعطي حصادا من نوع خاص.. يتمثل في تونسيين وتونسيات واعين بكل كبيرة وصغيرة تحيط بهم.. ومدركين لكل التفاصيل التي تعترضهم مهما بدت صغيرة أو بسيطة.. وهذا أمر طبيعي أن يأتي الحصاد من قبيل الزرع.. وهو حصاد يرتب على الاعلام الوطني تبعات إضافية ويحمّله مسؤوليات إضافية متأتية من وظيفته العادية ومتأتية كذلك من ضرورة إدراكه بأنه يتعاطى مع متلقين واعين يطالبون بحقهم في المعلومة وقادرون على تحليلها وعلى تشكيل مواقفهم ووجهات نظرهم انطلاقا منها..
هذا من جهة، أما في الجهة الأخرى فإن الاعلام وبوصفه مرآة عصره لا بدّ وأن يلتحم بتفاصيل الحياة السياسية لشعبه وأن ينخرط في تعميق المسيرة الديمقراطية للبلاد وترسيخ التعدّدية في المجتمع.. وهذا لن يتسنّى إلا متى أدرك المهنيون الحقيقيون في وسائل الاعلام المختلفة أن القلم والمصدح والكلمة أمانة ومسؤولية.. لا نهوض للشعوب إلا متى خرجت كلمة صادقة نزيهة تحمل الجرعات اللازمة من الجرأة والحرية..
وكذلك متى أدركت أن هناك حدّا فاصلا بين حرية التعبير وبين الثلب وهتك الأعراض.. وهو الدرس الكبير الذي يجب على الصحافة إيصاله إلى كلّ النّاس.. والأمانة الكبرى التي تقع على عاتقها لأن الحرية في المطلق مسؤولية وأمانة.. ولأنها حقوق وواجبات.. ولن تستقيم المعادلة إلا متى أدرك المواطن العادي والمسؤول بأن حريته تنتهي عندما تبدأ حرية غيره وبأن الديمقراطية قوامها تعايش الرأي والرأي الآخر وبأن التعددية هي قواسم للعيش المشترك..
ومثلما ورد في رسالة رئيس الدولة يوم أمس بمناسبة اليوم العالمي للصحافة فإن صحافتنا الوطنية حقّقت الكثير.. ولكن يبقى أمامها أيضا مشوار طويل لابدّ من قطعه حتى تلتحم بالكامل بشواغل المواطن في كل المجالات وحتى تعبّر عن كل خلجاته بصدق وأمانة ومسؤولية..
وهذا واجب مقدّس ينتظر الجميع من مسؤولين وقائمين على القطاع ومن صحفيين وأصحاب مؤسسات.. حتى تكتسب صاحبة الجلالة كل سلطانها وتعبّر بحقّ عن شواغل المواطن التونسي مهما كانت صغيرة ومتعلّقة بتفاصيل حياته اليومية.. أو كبيرة وتتعلّق بقضايا أمته وبمقومات هويته في زمن بات فيه الانتاج الثقافي والاعلامي بحقّ مطية الغرب الى عقولنا وإلى أوطاننا قبل حاملات الطائرات في أحيان كثيرة..