جميل كل ما قيل في مؤتمر شرم الشيخ أمس وحوله من أجل إنقاذ العراق ، ولكن يبقى هذا الكلام كله في حيز الأماني وإدارة العلاقات العامة ، وهو سلوك معهود في عالم السياسة ، حين يجد سياسيون أنفسهم محاصرين بمطالب ملحة لا يمتلكون آليات تنفيذها ، رئيس الوزراء العراقي نوري مطلوب منه أن يوقف المذابح اليومية في بلده كجزء من التزاماته تجاه وثيقة العهد التي أعلنت في مؤتمر شرم الشيخ أمس .

وهو أيضا أكد ذلك في المؤتمر الصحفي ، لكنه لو كان يملك حسم الأمر لحسمه أفضل له من أن يظهر في المؤتمر بمظهر الزعيم قليل الحيلة ، لكن المشكلة لم تكن مشكلة المالكي وحده بل مشكلة واشنطن التي تريد سحب جيشها قبل استتباب الأمن في العراق ولو أن النية صادقة في وقف نزيف الدم العراقي لكان أفضل .

طبعا يشعر المرء بالسرور وهو يجد دولا تشطب ديون العراق هو فعل حسن وأحسن منه وقف الكارثة الأمنية ووقف هجرة مئات الآلاف من الشعب العراقي الى الخارج ، وهذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها ممثلو دول لبحث الأزمة العراقية بل سبقتها مرات لم تفلح أي منها في الوصول الى الهدف ، وكل يوم يمر تتصاعد الأزمة وهناك قنابل موقوتة نائمة أخطرها الموقف من كركوك وقانون النفط وتوجهات الفيدرالية التي تعني تماما تقسيم العراق كما أراد له المخططون الأوائل لغزوه على النحو المؤلم الذي وقع .

الوضع في العراق لم يعد يقبل المزايدة أو المجاملة أو بلاغيات إنشائية يطلقها ذوو الياقات المنشاة أمام نواقل الصوت في القاعات المكيفة الهواء . وبالتأكيد لم يعد يقبل أي مجاملة لواشنطن وتحديدا لجورج بوش الذي يتلهف للظهور امام الديمقراطيين بمظهر من يستجيب لطلباتهم بتحديد جدول زمني للخروج من العراق .

إن مطلب شطب الديون هو مطلب اميركي في الأساس المقصود منه التعتيم على الأموال العراقية التي نهبت والبترول العراقي الذي سرق ، والثروات الاخرى التي اهدرت وهي تزيد كثيرا عن ديون العراق المشطوبة فالعراق قادر على سداد ديونه وقادر على بناء نفسه بنفسه لو أن كل من سرق من أمواله وثرواته أعاد المسروقات الى اصحابها الأصليين .

إن الحديث عن شطب ديون العراق هو بمثابة وضع العربة امام الحصان فالأولوية للأمن ، ولوقف نزيف الدم ، ولحماية أرواح الشعب العراقي وتأمين عودة اللاجئين وحفظ حياة الخائفين ، وهو امر لا يبدو أنه حصل على كثير من البحث في الآليات المطلوبة لتحقيقه .

ربما أرادت الأدارة الاميركية أن تدغدع احواس الشعب الأميركي بالظهور بمظهر من يساعد على عودة الجيش الأميركي الى وطنه ، أو أن تدغدع حواس المسؤولين العراقيين بإظهار الاهتمام بمساعدتهم في تسوية الأزمة العراقية لكن مخاوف العراقيين تدور في محاور اخرى تماما ، تدور في محاور الأمن والأمن وحده .

فبدونه لن يتسنى تطبيق أي خطوات أخرى ، فلو باع العراق نفطه بنفسه وتحكم في ثرواته لشرع بوضع خطط لاعادة بناء البنية الاساسية للحياة اليومية للشعب العراقي ، إذا الحديث يدور الآن حول أمور هي موجودة بالفعل وإمكانيات تنفيذها متاحة لو توفر الأمن وتوفرت الصدقية والتوجهات الطيبة فليحاول الحريصون على اقرار الوضع في العراق ان ينصتوا لما يريد الشعب العراقي ان يحرك به لسانه وهو الأمن ، لكنه يمسك عن ذلك لشعوره العميق بانعدام القيمة في بحث قضية الديون أو ربطها بما لو كان يستطيع المالكي فعله من قبل لفعله وهو إقرار الأمن .

الفوضى الامنية في العراق أفرخت أشكالا عديدة من الفوضى تتجاوز حدود الكارثة والناس يتحدثون عن شطب ديون هي في الأصل ديون ميتة لا رجاء فيها للدائن أو المدين فلك الله يا شعب العراق .