يندرج اللقاء الذي تم أمس بين جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين وعدد من قادة الرأي العام الفلسطيني في نطاق سلسلة اللقاءات التي عقدها جلالته مع قادة الرأي في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ، وذلك في اطار المهمة القومية التي يقوم بها من أجل شرح المبادرة العربية للسلام على جميع المستويات المؤثرة في القرار السياسي على أمل أن يفتح هذا التحرك السبيل لعملية سلام جديدة تجمع حولها الأغلبية الصامتة التي ظلت مهمشة لعدة عقود .

قد يحتاج الأمر إلى توضيح حاسم للحيلولة دون الاجتهادات والانطباعات المتسرعة التي تواجه بها المبادرات السلمية عادة ، وإذا كانت الشخصيات الفلسطينية التي تمثل قطاعات فكرية وثقافية وأكاديمية وإعلامية وسياسية واعية بما فيه الكفاية لفهم الجهود التي يقوم بها جلالة الملك فإنه من الضروري أن يفهم الآخرون معنى ما قاله جلالته بالحرف الواحد"إن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة أولوية أردنية مثلما هي مطلب فلسطيني"على أنه موقف مبني على تحليل دقيق للتطورات المحيطة بنا وبالقضية الفلسطينة التي هي جزء منا مثلما نحن جزء منها ، فما يقوم به الملك هو في صميم المصالح العليا الأردنية بالدرجة الأولى مثلما هو تحرك مسؤول تجاه مصالح الشعب الفلسطيني الشقيق ومصالح الأمة العربية كلها .

ولسنا بصدد التبرير حين نقول إن الأردن كما مصر مكلف من الجامعة العربية بإجراء الاتصالات الضرورية مع إسرائيل بشأن وضع المبادرة العربية كأساس لعملية تفاوضية تؤدي إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ومن ثم إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة علاقات طبيعية بين الجانبين ، إننا في الواقع نشير إلى تلك المرجعية لأنها توضح جدية الموقف العربي ، وتظهر الأداء السياسي الرفيع الذي كان ينقص في الماضي المبادرات السلمية ، ذلك أن صنع السلام يحتاج إلى تشكيل القناعة عند الشعوب قبل أصحاب القرار .

بالنسبة للفلسطينيين فهم الأكثر وعيا بطبيعة التحرك الذي يقوم به جلالة الملك لأنهم خبروا على أرض الواقع أهمية مخاطبة الرأي العام في فلسطين وإسرائيل بشأن المستقبل ، وسبق أن خاض معظم الذين حضروا اللقاء مع جلالة الملك العديد من تجارب الاتصال إلى درجة أنهم يعرفون اليوم قوى السلام الإسرائيلية والأميركية معرفة قوية ومباشرة ، ولقد لاحظنا من خلال التصريحات التي أدلى بها عدد منهم مدى توافقهم مع رؤية جلالة الملك لكيفية التأثير الموضوعي بالشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لتشجيعهما على إختيار السلام طريقا للتعايش المشترك ولتحقيق الأمن والاستقرار المتبادلين ، هذا فضلا عن إشادتهم وتقديرهم للدور الذي يتحمل الملك مسؤوليته خدمة للشعب الفلسطيني ودعما لاستقلاله الوطني .

بكل صراحة ربما نحتاج نحن هنا في الأردن إلى شرح مماثل داخل مجتمعنا الذي قلنا إنه ليس معزولا عن القضية الفلسطينة ولا عن التطورات المحتملة في المنطقة ، فالمجتمع السياسي الأردني يحتاج كذلك إلى فرصة لنقاش موضوعي حول المبادرة العربية والدور الذي يقوم به جلالة الملك من أجل ايجاد موقف قوي مساند في مسألة تتصل بمستقبل بلدنا وأمنه وإستقراره أيضا ، وبصراحة أكثر فإننا بحاجة إلى تطوير خطابنا السياسي النخبوي ليصير واقعيا وموضوعيا ومجردا من المزايدات وقلب الحقائق التي أثرت سلبيا في الرأي العام وحجبت عنه وسائل الإدراك زمنا طويلا فجعلته يائسا محبطا بدل أن تجعله واثقا من نفسه ومن قدرته على المشاركة القوية في صنع السلام كأحد الخيارات المتاحة لإستعادة الحقوق العربية كاملة غير منقوصة.