يستعيد الكثيرون الأجواء التي شهدتها المنطقة بداية الغزو الأميركي البريطاني للعراق ويستذكرون كم الكتابات والمشاريع واللقاءات والمؤتمرات في المنطقة وخارجها حول إعادة إعماره ومدى الترقب واللهفة التي عاشها المستثمرون من الذين إصابتهم عدوى إعادة الإعمار، ليس من الأجانب فقط الذين ينتمون إلى دول أرسلت قواتها العسكرية في إطار إظهار حسن النية للمحتل الأميركي، بل إن بعض العرب أيضا ممن أرادوا الحصول على حصة من الغنيمة جذبهم الإغراء ودغدغت مخيلتهم مشاريع التجارة وإعادة الاعمار.

لكن الأمور لم تجر كما أريد لهم وبدأ العراق يدخل في نفق مظلم من العنف المتصاعد، وقد يكون من السذاجة الظن بأن العراق الذي يتسم تاريخه بعدم الاستقرار كان يمكن أن يخرج من هذه الحرب معافى بعد السنوات العجاف التي عاشها والتي خاض خلالها حربين وحالة حصار خانقة اقتصاديا واجتماعيا على مدى 13 سنة.

وكانت بوادر المعارضة قد ظهرت توا بعد الغزو وشكل التفجير الذي أصاب مركز الأمم المتحدة وأدى إلى مقتل مبعوثها حينها الحدث الأبرز. وأدى القرار الأميركي بتسريح الجيش وقوات الأمن العراقية دورا مساعدا في تعميم الفوضى التي ما زلنا ننتظر تحولها إلى خلاقة بحسب النظرية !

والحال فان اعمار العراق كان يتطلب فترة زمنية يجري خلالها وضع أسس قانونية ونظام اقتصادي واضح المعالم إلى جانب ترسيخ استقرار سياسي وأمني من قبل المحتل . في ما يخص البيئة التشريعية للاقتصاد العراقي، فقد توضحت شروطها الأولى وأسسها القانونية بقيام حكومة عراقية معترف بها دوليا وبالمصادقة على قانون للاستثمار وتحويل القانون النفطي إلى عهدة البرلمان، إلا أن البلاد بالرغم من ذلك ما زالت بحاجة إلى الكثير من العمل في إطار ترسيخ الإطار السياسي والاقتصادي الموحد وتوفير الأمن اللذين ما زالا متعذرين.

ويرى المحللون انه حتى وإن صدق البرلمان على مسودة القانون النفطي فان الاعتقاد بافتقاره للوضوح القانوني وضعف الأمن على الأرض يعني أن العراق سيحتاج لأعوام لتهيئة المناخ الملائم للاستثمار. وبالتالي فان مشاريع الاعمار بمليارات الدولارات ما زالت في حكم المؤجل، خصوصا وان هناك تخوفا أن تجني شركات النفط أرباحا طائلة دون أن توظف شيئا في العراق الذي يعاني أصلا من أعباء ديون خارجية.

وعلى صعيد آخر، فإن الوضع يشير إلى انهيار الخدمات العامة وعمليات السلب والنهب للبنى التحتية الحيوية، كما أن التقارير الأميركية تشير إلى مستوى خيالي من الفساد في إطار مشاريع إعادة الإعمار وتجهيز الجيش الأميركي. والحال فإنه منذ البداية كان للأميركيين مشاريعهم المستقلة والتي تتعلق باستفادة الشركات الكبرى لديهم، والمتعاقدين معهم من الباطن. وقد جرى منح العقود بطريقة غير شرعية وبدون شفافية حيث فاز بها الأصدقاء وبكلفة تتضمن أرباحا أعلى.

وحسب مؤسسة كوربورايت واتش، فان سلطات الاحتلال أعطت في عام 2003 عقودا عديدة لشركات أميركية لم يجر انجازها، وان مستوى سوء إدارة الأموال كانت فوق الخيال، لاسيما حينما كانت مشاريع إعادة الاعمار في البدء تتم من خلال صندوق التنمية العراقي الذي يحوي إيرادات النفط العراقية والذي كان تحت سيطرة سلطة الاحتلال والتي استخدمت أمواله للتوقيع على عقود كبيرة مع متعاقدين من الولايات المتحدة وغيرهم.

وكانت النتيجة منذ البداية لحينه نهب وفشل في تأمين الخدمات الأساسية ومشاريع تفوح منها روائح الفساد وتعامل في العراق باستباحة مطلقة، وفي حين كان الأميركيون يتعاملون في البدء بأنهم قادرون على الحلول محل العراقيين في إدارة شؤون بلدهم، باتوا اليوم يضعون اللوم على الواقع العراقي الذين أسهموا في إرسائه لما أدت إليه الأوضاع! وفي الواقع فان نتيجة إعادة الاعمار في العراق كانت تكلفة للمواطن الأميركي دافع الضرائب لتمويل الحرب وللمواطن العراقي الذي تنهب موارده وثرواته.

واليوم فإن الجهود أن تكون منصبة على إعادة الاعمار باتت تركز على مساعدة اللاجئين العراقيين الذين يقدر تعدادهم 4 ملايين لاجئ، وإذا كانت دول الجوار فتحت الأبواب أمام المستثمرين والتجار لإيصال السلع والبضائع إلى العراق، فالأمل ألا تغلق تلك الدول حدودها أمام اللاجئين العراقيين.