ركز الإسرائيليون كسياسيين ورجال أمن في الفترة الأخيرة على الأقلية الفلسطينية داخل الكيان الإسرائيلي ووضعوا خططاً وبرامج لوأد الشعور الوطني القومي لدى هذه الأقلية التي يتجاوز عددها المليون نسمة وأوعزوا الى المخابرات للعمل في هذا الاتجاه، وتنبع المخاوف الإسرائيلية أصلاً من تعاظم الوعي القومي المتنامي لدى الأقلية العربية والمطالبة بالمساواة في الحقوق والمطالبة بأن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها وليست دولة تمييز عنصري لليهود فقط.

وحتى الآن لا يشعر أي إسرائيلي يهودي بالإشباع المعنوي لأنه يرى أن وجود الأقلية الفلسطينية داخل كيانه يعكر صفو نقاء الدولة اليهودية، ولهذا رفع الإسرائيليون في السنوات الأخيرة شعار إسرائيل دولة يهودية. وهذا يعني ضمناً إسقاط الأقلية العربية من حساباتهم.

وفي هذا السياق يكثف القادة الإسرائيليون من سياسة مصادرة الأراضي وهدم المنازل في الأوساط العربية وإقامة المستوطنات الجديدة في تلك المناطق وكان آخرها مشروع لبناء ثمانين ألف وحدة سكنية لليهود المتدينين في صحراء النقب التي ما زال سكانها العرب البدو يتعرضون للقمع والملاحقة بهدف حشرهم في تجمعات سكانية معينة ومصادرة أراضيهم.

التوازن الديموغرافي لم يتحقق رغم الإغراءات التي تقدمها إسرائيل والوكالة اليهودية بدعم من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لجلب مهاجرين جدد حيث ان نسبة النمو السكاني لدى العرب أكبر من اليهود خاصة في صحراء النقب حيث يبلغ معدل الإنجاب للمرأة العربية أكثر من سبعة أطفال ولعل بروز الدعوة لدمقرطة الدولة الإسرائيلية وجعلها دولة لكل مواطنيها ليست جديدة فقد تبناها المفكر الفلسطيني الأميركي ادوارد سعيد ودعا الى مقاومة سلمية لتحقيق هذا الهدف، وأعتقد ان الشاعر الكبير محمود درويش من مؤيدي هذه الدعوة أيضاً، فهو لا يرى حلمه في إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة فقط بل انه ينظر الى فلسطين ككل كدولة وإن بوجود يهودي.

وتبنى النائب المستقيل من الكنيست عزمي بشارة هذا الشعار وكساه لحماً ومنحه دماً في نشاطه الحزبي والسياسي. ولعل الإسرائيليين يصابون بالرعب من هذا الشعار لأنه يقوض حلمهم في إقامة دولة يهودية خالية من العرب وقد ظهرت قبل سنوات دعوة تبناها بعض الأكاديميين اليهود تدعو لتحويل إسرائيل الى دولة لكل مواطنيها على غرار الولايات المتحدة وفتح باب الهجرة إليها من كل حدب وصوب باستثناء العرب وقال هؤلاء :

ان إسرائيل استوعبت خلال عشر سنوات قرابة مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق وأغلبهم غير يهود وهي قادرة على استيعاب غيرهم. لكن كلامهم ليس صحيحاً إذ ان المهاجرين الروس ما زال أكثرهم مسيحيين ويشكلون أقلية جديدة لها ثقافتها وصحفها ولغتها ولم تندمج كلياً في المجتمع الإسرائيلي، بل يظهر بين صفوفها تيار نازي معاد لليهود.

وفي إطار أي مفاوضات جرت، كان الإسرائيليون يطرحون مسألة تبادل الأراضي بهدف التخلص من أكبر عدد من العرب داخل دولتهم مقابل ضم الكتل الاستيطانية، فالمكسب الإسرائيلي من مبدأ مبادلة الأراضي كما حدث في مفاوضات كامب ديفيد وطابا سيكون مزدوجاً، أي ضم المزيد من أراضي الضفة وهي نسبة قد تصل الى اكثر من عشرين بالمئة وتصدير منطقة المثلث الكثيفة السكان الى الدولة الفلسطينية المرتقبة.

أي التخلص من مئات الألوف من عرب منطقة المثلث. وكانت فكرة تبادل الأراضي طرحت في مؤتمر هرتسليا الأخير الذي عقد تحت شعار المناعة والأمن القومي لإسرائيل حيث قال المشاركون ان فكرة إقامة دولتين بين نهر الأردن والبحر المتوسط ستؤدي الى وضع غير مستقر بسبب الكثافة السكانية والحاجة الى المزيد من الأراضي وطرح مشاركون أفكاراً لتبادل الأراضي مع مصر وسوريا والأردن في إطار أية تسوية.

كما طرحوا ضم كل منطقة المثلث وأم الفحم الى الدولة الفلسطينية. ولعل المخاوف الإسرائيلية من الأقلية العربية نشأت مع قيام إسرائيل حيث حاولت المؤسسة العسكرية ـ الأمنية الإسرائيلية افتراس هذه الأقلية باستمالة قادتها وزرع عملاء في وسطها وتجريدها من أراضيها وملاحقة كل من عاد من الخارج بعد حرب 1948 .

حيث بلغ عدد الفلسطينيين الذين عادوا الى ديارهم بعد الحرب عبر الحدود قرابة عشرين ألفاً، لكن اسرائيل لم تستطع إلقاء القبض عليهم. كما ورد في كتاب «العرب الجيدون» للمؤلف الإسرائيلي هيلل كوهين حيث سرد أساليب طمس الهوية العربية ومحو الذاكرة ومصادرة الأراضي التي انتهجتها إسرائيل ضد الأقلية العربية بهدف تذويبها لكنها فشلت. ولعل من أهم مبررات ملاحقة النائب المستقيل عزمي بشارة هو شعاره هذا، أي إسرائيل دولة لكل مواطنيها .

وليست يهودية فقط، ولم يكن غريباً في سياق الحملة ضد بشارة ان تسمع دعوات تطالب بتضييق الخناق على الأقلية العربية حتى لا تجد إسرائيل نفسها تخوض حرباً ثانية لـ «الاستقلال» ضد الأقلية العربية كما جاء على لسان عضو الكنيست اليميني إسرائيل حسون في أعقاب إثارة قضية بشارة. وتزامن ذلك مع مبادرة أعدها عضو الكنيست من حزب كاديما تتضمن ضم جزء من منطقة المثلث الى الدولة الفلسطينية المرتقبة، وقال عضو الكنيست اوتنيل شنيللر ان مبادرته ترمي الى إيجاد أغلبية يهودية في دولة إسرائيل بتبادل الأراضي والسكان مع الفلسطينيين .

حيث يجري إلحاق منطقة المثلث بالدولة الفلسطينية مقابل ضم الكتل الاستيطانية في الضفة الى إسرائيل وهي كتل ارييل جنوب نابلس وغوش عتصيون قرب بيت لحم ومودعين غربي رام الله، ولكن شنيللر لا يدعو لضم كل المثلث بل ثلاثة تجمعات سكانية فقط. إذاً، المشكلة الديموغرافية ما زالت تؤرق إسرائيل .

حيث ان الأغلبية اليهودية مهددة داخل الكيان الإسرائيلي رغم الهجرة المكثفة من الخارج، لكن منابع الهجرة تبدو في طريقها الى الجفاف ولم يعد رجال الوكالة اليهودية بقادرين على جلب المزيد من المهاجرين إلا بتهويد قبائل بدائية فقيرة في أثيوبيا والهند بعد فشل المحاولات الإسرائيلية المحمومة لتخويف الجالية اليهودية في فرنسا وعددها قرابة 300 ألف نسمة من «بعبع» معاداة السامية لإجبارها على الهجرة الى إسرائيل.

ففي حدود فلسطين التاريخية بما فيها الضفة وغزة يبدو عدد العرب يقترب الآن من عدد اليهود وخلال أقل من عقد فإن عدد العرب سيزيد على عدد اليهود، وستكون إسرائيل أمام خيارين؛ إما دولة يهودية خالية من العرب بترحيل العرب الى الدولة الفلسطينية المرتقبة أو أن يتحول شعار دولة لكل مواطنيها الى شعار يهود يطالبون به في إطار دولة فلسطينية على كل أرض فلسطين وهذا يعني سقوط المشروع الصهيوني أمام الزحف الديموغرافي الفلسطيني.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين