من أبرز الموضوعات الفكرية المطروحة عبر ساحات النخب العربية موضوع الحداثة، فالعرب لديهم هوس بهاجس الحداثة، وكلما ازدادت أوضاعهم تدهوراً وركوداً وتخلفاً واستبداداً كلما أوجعتهم طروحات الحداثة المختلفة، أو ربما فاجأتهم ممارساتها ورموزها المختلفة. فالحداثة رغم أنها مشروع فكري، غير ناجز، مستمر ومتراكم، ورغم أنها حالة مجتمعية، وربما إنسانية عامة، ورغم أنها ترتبط بممارسات مجتمعية وتحديات وصعوبات وأوجه صراع مختلفة، فإنها تتحول لدى العرب إلى حالة نفسية مضادة للتاريخ والعالم.

تنتقل الحداثة لدى العرب إلى معترك حاد من المواجهات بين التيارات الفكرية المحملة بأيديولوجيات جامدة وراكدة، وفي أحيان كثيرة عبثية. وحينما تتحول الحداثة إلى مثل هذه المستويات الصدامية النفسية فإنها لا تستطيع أن تفهم تجارب الآخرين وتتعامل معها بذلك القدر من التفاعل والجدل.

كما أنها تعجز عن أن تعي تغيرات الواقع العربي المحلي، وتظل مشدودة بكليتها إلى الماضي وشعاراته وأمثولاته. وحينما يصبح التوجه نحو الماضي مهما كانت أهميته وحجم إنجازاته هو الوجهة والقبلة والشعار يصعب غلق الملفات المختلفة المرتبطة به، كما يصعب غلق الملفات الشائكة الناجمة عنه. فالحداثة تتحول في معظم كتابات النخب العربية إلى استدعاء للملفات القديمة وإعادة فتحها المرة تلو الأخرى.

وكلما ازدادت حدة ومرارة الواقع المعيش كلما ازدادت حدة التعامل مع ملفات الحداثة، حيث يتم اجترارها بدون مواجهة حاسمة، وبدون رغبة حقيقية في غلقها. ورغم أن الحداثة كما أشرنا عملية غير ناجزة وغير مكتملة في الزمان والمكان، كما أنها حركات متصاعدة ترتبط ببعض الهبوط والاضطراب، فإنها تتسم في الكثير من المجتمعات الغربية التي بدأتها منذ قرون عديدة بالحسم النسبي للعديد من القضايا المجتمعية المختلفة والقدرة على غلقها والانتقال لغيرها، وهكذا دواليك.

صحيح أن بعض الأزمات الحادة التي تواجه الكثير من هذه المجتمعات تستدعي العودة لبعض الملفات وإعادة فتحها، إلا أن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة. أما في العالم العربي فإننا مازلنا بعد ما يقرب من قرن ونصف نراوح القضايا المجتمعية والاقتصادية والسياسية نفسها التي بدأها المفكرون العرب منذ ذلك الحين.

فالحداثة العربية لم تكتسب في تجلياتها المختلفة سوى الشكل دون الجوهر، وظلت تلامس القشرة المجتمعية الخارجية بدون أن تمتد للعمق الحقيقي التقليدي الراكد والمشوه في الوقت نفسه. من هنا ظلت القضايا القديمة العبثية بغير حسم حقيقي. وربما يمكن القول انها ظلت منزوية ومختفية لكنها ظلت سيدة الموقف والمهيمنة على تشكيلة العلاقات الاجتماعية المختلفة.

وفي ظل غياب حركات اجتماعية فكرية حقيقية، وفي ظل غياب رؤية مجتمعية شاملة ومتطورة، وفي ظل غياب أي صراع مجتمعي حقيقي قادر على فرز طبقات تدافع عن مصالحها وأهدافها ورؤاها المختلفة، اتسمت المجتمعات العربية بدرجة غير مسبوقة من السيولة الفكرية والمجتمعية، صاحبها حالة اجترار غير مسبوقة لكل الملفات المختلفة.

فمن يصدق أنه، وبعد قرن ونصف منذ بدايات المواجهات العربية الغربية، وبداية كتابات فجر النهضة العربية، مازالت قضايا تعليم المرأة وحجابها وخروجها للعمل مطروحة للنقاش، ومازالت قضايا الإصلاح السياسي وأهميته والحقوق الفردية وتداول السلطة على مائدة الحوار، ومازالت الأعمال الفكرية والأدبية تُصادر وتُحاكم بعقلية أمنية تقليدية محافظة.

واللافت للنظر هنا أنه بينما واصلت الكثير من المجتمعات في آسيا وأميركا اللاتينية حسم الكثير من هذه القضايا، يواصل العالم العربي طرحها من جديد، وكأنه يعيد اكتشاف نفسه، وكأنه خارج من كهوف التاريخ من أجل البحث عن فهم مغاير وجديد لما حوله. يعيد العالم العربي اكتشاف ذاته من خلال تناوله لتلك الملفات الراكدة، وإعادة تدويرها، بدون حسم، وبعبثية بالغة. وكلما طُرحت هذه الملفات واستشرت الكتابات حولها، كلما زادت الخلافات والتحزبات الفكرية والأيديولوجية التي تؤدي في النهاية للمزيد من تكريس الأوضاع السيئة المرتبطة بقضايا هذه الملفات ذاتها.

مأساة الحداثة العربية أنها، ورغماً عنها، تصر على حداثتها، بل هي تعني الكلمة، وتراها مبررة من أجل التغيير والتطور واللحاق بالآخرين. وبينما لا توجد حداثة عربية فعلية يستعين العرب بالكلمة، ويربطونها بحداثة مفتعلة شكلية وتابعة تقتات على موائد الآخرين.

لكنها وعبر حمولتها الحداثية المائعة لا تستطيع أن تخفي ذلك القدر الكبير الذي تتميز به من الإدعاء، فهي حداثة هجين مشوهة لا تمت للواقع العربي بصلة. كما أنها حداثة المعروض من الآخرين، فالغرب التاجر يتجول في الشارع العربي حاملاً بضاعته الفكرية والمادية، مُدغدغاً مشاعر العرب بأنهم يختارون بضاعتهم، يحملون منها ما يبغون، ويتركون ما لا يريدون. ويغالي العرب في مشاعرهم تجاه هذا التاجر الغربي، أو يوهمون أنفسهم عبر مشاعر الاختيار بأنهم أصحاب القرار فيما يشترون من هذا التاجر الغربي الذي يلف أحياءهم، ويدخل بيوتهم وغرف نومهم.

وكلما زاد هذا التاجر الغربي إيغالاً فرض العرب أوهامهم الحداثية، فيؤسسون مشروعات جديدة لا تمت للحداثة بصلة، ويختارون معروضاتها المادية، تاركين حمولاتها الفكرية، وقدراتها الإبداعية، وجوانبها الأكثر إنسانية. كما أنهم يغضون الطرف عن بارودها ودمائها وجوانبها الأشد فتكاً بالإنسانية. هكذا تتحول الحداثة لدى العرب إلى صفقة مثلها مثل معظم صفقاتهم الخاسرة.

وإذا كانت الصفقات الخاسرة يمكن التعويض عنها بصفقات أخرى ناجحة، فإن صفقات الحداثة الخاسرة التي ارتبط بها العرب منذ ما يقرب من قرن ونصف، أو بلغة أقرب لحقيقة الواقع، تم دفعهم إليها بدون أية جهوزية وبدون أية قوى اجتماعية حقيقية مستعدة لكي تدفع أثمان التحديث والتنوير الغالية والكثيفة في الوقت نفسه، لا يمكن التعويض عنها بصفقات أخرى. فالحداثة، رغم ارتباطها بالتعامل مع العالم المحيط والاستفادة منه، هي وصفة مجتمعية بالأساس، وهذا ما لم يفهمه العرب ومفكروهم طوال مدة قرن ونصف من الزمان.

مازالت الحداثة العربية تراوح عقد الصفقات خصوصاً في جانبها المادي الذي لا يكل من نقل كل ما يحمله التاجر الغربي. صفقات بالجملة أصبحت لا تتميز حتى بالقدرة على الانتقاء، فكل ما يحمله التاجر الغربي، يجد أبواباً مفتوحة له في الشارع العربي.

وكلما ازدادت حمى الإقبال على الجوانب المادية، ازداد العربي اقتناعاً بأهمية حفاظه على عاداته وتقاليده وقيمه. صفقة أخرى من صفقات الحداثة العربية العبثية، حيث التصور البالغ الغرابة والمضاد لحركة التاريخ، ولكل مقادير الحداثة، أن نقسم الغرب إلى قسمين، قسم مادي نستمتع به وبأغراضه ومعداته وأدواته، وقسم معرفي فكري قيمي نرفضه ونحتقره ونواجهه.

لماذا لم يستطع العرب طوال قرن ونصف من الزمان غلق كل هذه الملفات، أو حتى التعامل معها على نحو إيجابي وفعال؟ ولماذا لم تستطع المجتمعات العربية أن تفرز طبقات وشرائح اجتماعية حقيقية تستطيع أن تواجه القضايا المختلفة المرتبطة بالحداثة بقوة وفاعلية مثلما حدث في عصر التنوير الأوروبي؟

ولماذا انقسمت المجتمعات العربية بمثل هذه الحدة الراهنة بين ذلك التحديث الشكلي المفتعل وبين ذلك التقليد المتصلب الجامد الماضوي؟ ولماذا لم تستطع النخب العربية الفكرية أن تقدم مشروعات فكرية تنويرية جادة يمكن أن تُلهم القوى الاجتماعية من أجل التغيير؟

أسئلة كثيرة لا بد من الإجابة عنها من أجل التعامل مع مسألة التحديث العربي بشكل واضع ومقنن. وربما يجب البدء في طرح التساؤلات التي قد تزعج الكثيرين، لكن طرح الأسئلة المُفارقة للبنية والقيم والعادات والتقاليد كان دائماً هو قلب الحداثة وعقلها ومُقوم استمراريتها. فبدون طرح التساؤلات المقلقة، وبدون التسامح نحوها، وخصوصاً من قبل أصحاب الاتجاهات التقليدية والسلطات السياسية الحاكمة، لن يجدي الكلام عن الحداثة فتيلاً، والله أعلم!!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com