بعيداً عن تواتر المعلومات التي تسربها بعض الأوساط الإسرائيلية والمتعلقة بوجود قناة تفاوضية سرية إسرائيلية سورية، بشخص مدير عام سابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية وإبراهيم سليمان المواطن الأميركي من أصل سوري، فان وقائع الفعل اليومي تؤكد ما ذهب إليه وزير الإعلام السوري من نفي قاطع لوجود قناة سرية، وأن سوريا « تجري مفاوضات تحت الشمس وليس عبر قنوات سرية»، كما أن الوقائع الاستيطانية الجارية على الأرض تنفي أيضاً المعلومات التي قيلت بشأن تكليف سوريا لشخص إبراهيم سليمان.

حركة المواطن الأميركي إبراهيم سليمان، والتضخيم الإسرائيلي لأهميته، تأتي والمنطقة بأسرها تعيش مرحلة حرجة بعد تشكيل الحكومة الوحدوية الفلسطينية، وإعادة إطلاق قمة الرياض لمبادرة السلام العربية، وبعد ازدياد الاحتقان في الحالة الفلسطينية نتيجة الحصار الجائر المفروض على الشعب الفلسطيني منذ 25/1/2006، فالملفات المطروحة أصبحت على غاية من التعقيد، وأصبح معها من الصعوبة إيجاد حلول مبسترة لصراع مازال محتدماً.

فالحلول المبسترة المعلبة والقسرية، تبقى في نهاية المطاف حلولاً رجراجة فاسدة، لا آفاق أمامها سوى الانتكاس في منطقة حبلى بالمتغيرات اليومية. وفي ظل هكذا تعقيدات وأزمات متلاحقة، لم تبخل حكومة أيهود أولمرت وتحالف ( كاديما + العمل + ) في تسهيل حركة الاستيطان الاستعماري الإجلائي فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام (1967)، وفوق أراضي مرتفعات الجولان العربية السورية المحتلة، في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن إمكانية إقلاع قاطرة التسوية المتوقفة فوق الهضبة السورية.

وضمن خطة تعزيز ما يسمى بـ «الاستيطان اليهودي» في الجولان، أعلنت سلطات الاحتلال عن البدء بالتوسع الاستيطاني فوق أراض جديدة بمساحة 80 دونماً في منطقة البطيحة في أقصى جنوب هضبة الجولان، على ملتقى الحدود الأردنية السورية الفلسطينية، من اجل بناء قرية سياحية في منطقة تل الصيادين على الساحل الشرقي لبحيرة طبريا، إضافة إلى البدء ببناء قرية سياحية على أنقاض بلدة بانياس السورية المحتلة والواقعة شمال الهضبة، إضافة إلى قرية سياحية ستبنى على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا في منطقة الكرسي من الأراضي السورية المحتلة.

وبهذا فان حكومة أولمرت تكون قد منحت خلال الفترة الأخيرة امتيازات خاصة لتشجيع (الاستيطان) وتوسيعه فوق أرض هضبة الجولان السورية، وتحديداً في بناء تسع مستوطنات سياحية جديدة، في جنوب الجولان بشكل خاص.

إذاً، بالنسبة لهضبة الجولان العربية السورية المحتلة، وبالرغم من الإشارات التي أطلقتها بعض مصادر القرار في إسرائيل بعد، بصدد إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات مع سوريا، إلا أن مشاريع الاستيطان تجري بخفوت بعيداً عن الأضواء فوق الأراضي السورية المحتلة. ففي مستعمرة راموت المطلة على بحيرة طبريا، عقد قبل فترة وجيزة من الزمن، المؤتمر الثالث لوحدة التخطيط الاستراتيجي للاستيطان الإسرائيلي في الجولان العربي السوري المحتل.

وقد حضر المؤتمر (90) عضواً من أصل (100) عضو، يشكلون ما يسمى بمجموعة المائة، وهي مجموعة متعددة الاختصاصات تابعة لوحدة التخطيط الاستراتيجي لتوسيع الاستيطان. وكان موضوع البحث كيفية زيادة عدد المستوطنين في الجولان إلى (50) الفاً علي المدى القريب. وإزالة كل الحواجز للوصول إلى هذا الهدف من خلال التوسع بمعدل متزايد ضمن خطة تبدأ على النحو التالي :

(200) عائلة لكل واحدة من (27) مستوطنة، وتطوير (4) تجمعات سكانية كبيرة يصل عدد سكانها إلى (10) آلاف مستوطن، وزيادة عدد سكان مدينة كتسرين ( الواقعة مكان بلدة القصرين السورية بعد أن تم تدميرها عام 1967) الواقعة وسط هضبة الجولان إلى (20) ألف مستوطن، كما تم تجهيز المخططات لبناء (60) منزلاً لبعض المستوطنين من مستعمرة نتساريم السابقة، الذين غادروا قطاع غزة بعد تفكيك المستعمرة المذكورة التي كانت قائمة في القطاع. هذا إضافة إلى المعلومات الواردة بداية المقال عن قيام إسرائيل ببناء مشاريع سياحية متطورة.

وفي هذا السياق فان عمليات الاستيطان الصهيوني الجائرة فوق هضبة الجولان السورية المحتلة، وهي منطقة جيوستراتيجية، تحتوي على مخزون مائي ضخم، رست إلى الآن على إقامة (45) مستوطنة وموقع استيطاني، يستوطنها نحو (18) ألف مستوطن يهودي منهم (400) مستوطن من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، مقابل (18) ألف مواطن عربي سوري بقوا فوق أرضهم.

ويقيمون في خمس قرى سورية (مجدل شمس، بقعاتا، الغجر، مسعده، عين قنية) من أصل (200) قرية ومزرعة تم تدميرها عام (1967) وطرد سكانها البالغ عددهم آنذاك نحو (150) ألف مواطن سوري، فيما وصلت أعدادهم الآن قرابة (350) ألف مواطن يقيمون بشكل مؤقت في المناطق السورية المحررة والقريبة السورية من الهضبة في باقي محافظة الجولان ومحافظة حوران وريف دمشق.

لقد فشلت إسرائيل في جلب الأرقام المحددة من اليهود للاستيطان والإقامة في الجولان ( نصف مليون مستوطن) لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بوقوع المستوطنات التي تم إنشاؤها فوق أراضي الهضبة السورية المحتلة في مناطق خط المواجهة العسكري مع القوات السورية، فضلا عن الشعور داخل المجتمع اليهودي على ارض فلسطين بان التسوية مع سوريا لن تكون بدون رحيل آخر مستوطن من على ارض الهضبة حتى خط 4 يونيو 1967.

ان حملة الاستيطان الصهيونية الجائرة، تشهد الآن زخماً كبيراً في البناء لم تعهده منذ سنين طويلة. مشيرة إلى أنه سجلت مؤخراً ارتفاعاً بنسبة تربو على 400 في المائة في شراء الشقق الاستيطانية في مرتفعات الجولان. وقد وضع ما يسمى بالمجلس الإقليمي للاستيطان في الجولان المعروف اختصاراً بـ « هاغولان» وضع خطة سنوية تهدف إلى استيطان نحو 300 عائلة يهودية جديدة في مرتفعات الجولان، و150 عائلة إضافية في مستعمرة «كتسرين» القريبة منها، في إطار حملة ديموغرافية - إستراتيجية، لتهويد الجولان العربي السوري المحتل.

إن غلاة اليمين الصهيوني ومعهم تلاوين واسعة من اليسار الصهيوني الذين يرفضون بالكامل الإقرار بالهوية العربية السورية هضبة الجولان، يدعون جهاراً نهاراً لتكثيف حملات الاستيطان فوق أراضي الهضبة، كعملية (إنقاذ) لمرتفعات الجولان، على حد تعبير رموز الاستيطان في إسرائيل.

وعليه فان خطة إسرائيلية جارية الآن بهدف انجاز عملية استيطانية واسعة، في إطار حملة ديمغرافية ـ إستراتيجية، لتهويد الجولان العربي السوري المحتل قبل أي مفاوضات حاسمة مع سوريا، وتكريس واقع جديد لدفع سوريا نحو القبول بالاشتراطات الإسرائيلية للتسوية على هضبة الجولان، وهي اشتراطات ثقيلة لا يستطيع أحد في سوريا من هضمها أو ابتلاعها أو تجرعها.

كاتب فلسطيني ـ دمشق