يعيش الإعلام العربي في بداية هذه الألفية طفرة كمية كبيرة تتمثل في الأعداد المتزايدة من المدونات وفي انتشار الإنترنت خاصة في المناطق الحضرية، وكذلك انتشار الفضائيات التي تتزايد بشكل شبه يومي يصعب حصرها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل أثرت هذه الثورة الحقيقية في نوعية الرسالة الإعلامية العربية.

وهل أثرت في تحسين الأداء وتطوير إدارة المؤسسة الإعلامية، وهل أثرت في العلاقة بين المؤسسة الإعلامية والسلطة السياسية والمالية؟ وهل أدت العولمة والثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال إلى دمقرطة العالم العربي ورفع سقف الحرية وتحسين العلاقة بين المؤسسة الإعلامية والسلطة السياسية والمالية؟

يعود منتدى الإعلام العربي في دبي ككل سنة ليطرح جملة من المحاور حول الإعلام العربي وهمومه ومشكلاته والتحديات التي يواجهها في عصر احتدم فيه الصراع على الصورة وعلى صناعة الرأي العام. فمشكلات النظام الإعلامي العربي لا يمكن بأي حال من الأحوال عزلها عن النظام الكلي العربي سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو صناعة القرار. فالإعلام هو وليد بيئته ومرآة المجتمع الذي يعمل وينشط فيه.

ومن ضمن الإشكاليات الرئيسية التي ناقشها المنتدى الحرية الإعلامية وعلاقتها بالحرية السياسية والاجتماعية في الدول العربية. فالقائم بالاتصال في معظم الدول العربية يعتبر مجرد موظف سواء كانت المؤسسة الإعلامية عامة أم خاصة وهذا يعني أن الجرأة في طرح القضايا المهمة والرئيسية قد تنعدم تماما.

ومن هنا نلاحظ إشكالية الكفاءة والمهنية والحرفية عند الصحافي من جهة وعند المسؤول عن إدارة المؤسسة الإعلامية من جهة أخرى. والإشكال الذي طُرح في المنتدى، هو هل الأنظمة التعليمية العربية سواء على مستوى التعليم الأساسي أو التعليم العالي قادرة على تكوين أجيال مؤهلة للإبداع والابتكار والتحدي، فطريقة الحشو والتلقين هي السائدة .

وبذلك فإن النظام التعليمي لا يفرز كفاءات تبدع وتبتكر وتنتقد، بل مخرجات الأنظمة التعليمية العربية تنحصر في التقليد وإعادة الإنتاج وتكريس الوضع الراهن. فالإبداع يحتاج إلى الحرية ويحتاج إلى المهنية والحرفية ويحتاج إلى بيئة تؤمن بالرأي والرأي الآخر وتؤمن بالتداول على السلطة وتؤمن بحرية الفرد.

أما عن موضوع إدارة المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي فالمشكلة تطرح على مستوى من يدير هذه المؤسسات الإعلامية؟ وما هي خلفيته ومؤهلاته وخبرته؟ وما هي علاقته بمهنة الصحافة وما هي درجة حرفيته ومهنيته وما هي طبيعة علاقته بالسلطة؟.

فالإشكال المطروح هنا هو ان إدارة المؤسسة الإعلامية لها خصوصيتها ولها مضامين وأطر قد تختلف عن فنون الإدارة المستعملة في مؤسسات أخرى. فالمؤسسة الإعلامية تصنع الصورة وتشكل الرأي العام وتصنع الفكر والمعرفة وتزوُد المجتمع بالمعلومة والمعرفة والتحقيق والتعليق والتحليل والرأي.

أما بالنسبة للصحافي صانع الرسالة الإعلامية فهو بحاجة إلى تطوير مستمر وتعليم وتجديد مهارات وكفاءات بلا انقطاع لمواكبة ما يدور في المجتمع وفي العالم. وهنا نلاحظ، مع الأسف الشديد، ضعف اهتمام المؤسسة الإعلامية في الوطن العربي لتطوير الكادر الصحافي، وهذا يؤثر بطبيعة الحال على عطاء هذا الأخير.

وهذا ما يقودنا للكلام عن تبعية الإعلام العربي للغرب سواء من حيث المحتوى أو القيم أو الشكل. فمعظم المادة التي تقدمها المؤسسة الإعلامية العربية هي مادة مستورة من المؤسسات الإعلامية العملاقة في الغرب، سواء تعلق الأمر بالأخبار أو بالأفلام أو المسلسلات أو غير ذلك.

أما بالنسبة للسطوة المالية على المنظمة الإعلامية العربية فإنها تتمثل في سيطرة المعلنين وشركات الإعلان والعلاقات العامة على محتوى الرسالة الإعلامية. وهذا ما يتناقض جملة وتفصيلا مع مبادئ الصحافة المسؤولة والملتزمة لخدمة الحقيقة واستقصاء الواقع ومراقبة السلطة في المجتمع. هذه الظاهرة أفرزت صحافة بيانات العلاقات العامة وفضائيات الشعودة والرسائل القصيرة.

تعتبر الصحافة والنظام الإعلامي في أي مجتمع بارومتر الديمقراطية والحرية، فكلما كانت الصحافة تتمتع بقانون فعال وعملي وكلما كانت محمية بلوائح تنظيمية وتشريعات كلما كان أداؤها في المجتمع جيدا وكلما ساهمت في غرس المبادئ والممارسة الديمقراطية. والصحافة عادة تتحدد مهمتها المقدسة والاستراتيجية في مراقبة الحكومة وأنشطتها المختلفة بما يتلاءم ويتفق مع القوانين والتشريعات المعمول بها في المجتمع.

المؤسسة الإعلامية في المجتمع هي ذلك الحارس الذي يسهر على حماية المصلحة العامة والدفاع عن مصالح الفئات الضعيفة والمحرومة. وتقاس الديمقراطية في مختلف المجتمعات بمدى حرية الصحافة وقدرتها على تأدية هذه المهام على احسن وجه ومن دون تدخل السلطة ولا تدخل أصحاب النفوذ وأصحاب المال.

والمؤسسة الإعلامية في حقيقة الأمر يجب أن تكون مؤسسة مقدسة محمية بقوانين وتشريعات ومن دون فجوات تستغلها السلطة للتلاعب بالمؤسسة الإعلامية، وكذلك لا يجب أن تكون هنالك ثغرات يتلاعب فيها مسؤول المؤسسة الإعلامية أو الصحافي كما يشاء لتحقيق مصالح خاصة أو مصالح فئة معينة.

لا يجب الكلام عن حرية الصحافة إذا انعدمت قوانين وتشريعات وممارسة إعلامية سليمة وهذه الأمور لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتضافر جهود الجميع وبتضافر النية الحسنة لكل طرف في المعادلة الإعلامية ـ السلطة، المؤسسة الإعلامية، القائم بالاتصال وأخيرا الجمهور. والتناقض الكبير في الوطن العربي هو أن السلطة نفسها هي التي تخترق استقلالية المؤسسة الإعلامية وحريتها.

الإعلام الحكومي في الوطن العربي أعلن إفلاسه من زمان ولم يصبح مبرراً له التواجد في عصر الإنترنت وعصر الفضائيات وعصر القرية العالمية التي لا تؤمن بالحدود؛ لكن رغم ذلك مازالت نسبة كبيرة من المؤسسات الإعلامية العربية تتبع وزارات الإعلام والاتصال وما زالت تقدم خطابا إعلاميا لا علاقة له بواقع الشعوب العربية وهمومها. وهنا نلاحظ الفجوة القاتلة بين الإعلام العربي والشارع العربي والتي تتمثل في أزمة المصداقية.

فالإعلام العربي يعاني مشكلة كبيرة جدا تتمثل في ثقة الشارع في الخطاب الإعلامي، وإذا انعدمت المصداقية أصبح الإعلام بدون تأثير وبدون فعالية. فمرض الإعلام العربي يعكس مرض الأنظمة العربية في المجال السياسي والمجال الاقتصادي ويعكس غياب الديمقراطية وهيمنة السلطة والمال ليس على الإعلام فقط، وإنما على مختلف مجالات الحياة في المجتمع. وفي غياب الحرية تغيب الكفاءة ويغيب الإبداع.

كلية الاتصال جامعة الشارقة