قرار السلطة السياسية في إسرائيل في عام 2000 بسحب القوات القتالية الإسرائيلية من الجنوب اللبناني كان استجابة اضطرارية لصرخات الشبان الجنود إلى أمهاتهم عبر الهواتف النقالة، فقد فقدوا ما كان لديهم من إرادة قتالية محدودة في وجه البسالة الاستشهادية الشرسة التي كان يقاتل بها شباب «حزب الله» اللبناني، أولئك الشباب اليهود هم الجيل الإسرائيلي الجديد الذي نشأ وترعرع في «عهد نهاية الحروب» ودولة الرفاهية.
في تقريره الخطير عن الإخفاقات الإسرائيلية في شن الحرب الأخيرة في الصيف الماضي ضد قوات حزب الله والفشل الفاضح في إدارتها لم يتوقف القاضي فينوغراد كثيراً عند ظاهرة الجيل الإسرائيلي الجديد ورخاوته في مسرح الحرب. فلأنه قاضٍ فإن الطابع الغالب على التقرير طابع قضائي بيروقراطي يقتصر على الوقائع العملية الملموسة دون التعمق في خلفياتها.
الوقائع الملموسة حقيقية بالطبع. وفي هذا الصدد لم يترك القاضي الإسرائيلي زيادة لمستزيد من حيث الصرخة الموضوعية والجسارة. فانتقاداته المرة لم تتوقف عند رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع فحسب بل امتدت إلى رئيس الحكومة، مع ذلك فإن التقرير، بخلوه من التحليل العميق لما وراء الوقائع المرئية لا يقدم إجابة كاملة عن السؤال التاريخي الأكبر: لماذا مُنيت إسرائيل بهزيمة عسكرية حاسمة للمرة الأولى منذ قيامها قبل ما يقارب 60 عاماً؟ لكن العثور على الإجابة ليس عسيراً. فهي ببساطة أن الجيل الإسرائيلي القتالي قد انقرض ليأتي بعده جيل جديد يقدس الحياة وينفر من الموت وأسبابه.
في حرب عام 1956 وحرب عام 1967 كانت قيادات وعناصر الجيش الإسرائيلي تتكون من الرجال الذين تمرسوا في معارك حرب العصابات ضد الفلسطينيين والعرب قبل قيام الدولة اليهودية من أمثال موشي دايان ومناحيم بيغن وآرييل شارون، ولم تكن قوة أولئك الرجال مقتصرة على بأسهم القتالي.
فقد كان بأسهم نابعاً من عقيدتهم الأيديولوجية القائمة على عصبيتهم الصهيونية، ثم إنهم بحكم الفئة العمرية كانوا الجيل الأقرب زمانياً إلى الـ «الهولوكست» وما جرى للأقليات اليهودية على أيدي النازية من اضطهاد عنصري دموي رغم المبالغة في الرواية، ذلك الجيل تلاشى تماماً. وربما يكون شمعون بيريز آخر رجاله.
الجيل الإسرائيلي الجديد نشأ في عهد نهاية الحروب النظامية الذي توج باتفاقيات سلام إسرائيلية مع مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية والأردن أبرمت تباعاً، وهكذا ساد بين شباب الجيل الإسرائيلي الجديد شعور عام بالاسترخاء من أجل الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا في عصر سلام. والاسترخاء جلب معه بطبيعة الحال تكالباً على المتع، والتكالب أفرز النزعة إلى الفساد ابتداءً من قمة السلطة العليا.
لم يوقظ إسرائيل من هذا الاستسلام الاسترخائي إلا مقاتلو حزب الله اللبناني.. ولكن اليقظة الإسرائيلية جاءت بعد فوات الأوان. فعند أبناء الجيل الجديد من العسكريين النظاميين انطفأت جذوة القتال، وستكون هناك بالطبع تداعيات لتقرير القاضي فينوغراد قد تنتهي إلى انقلابات سياسية في المسرح السياسي الإسرائيلي. ولكن الوهن القتالي الذي اعترى إسرائيل سيبقى حقيقة ثابتة، وللأسف فإن العرب عاجزون عن استثمار هذه الحقيقة.