قبل أن تحط على أرض شرم الشيخ، سكبت الوزيرة رايس الماء البارد على المؤتمر؛ لتقليص التوقعات حول نتائجه. وإذا كانت رسالتها غير كافية فإن كلام السفير الأميركي في بغداد ريان كروكر في هذا الخصوص؛ لم يترك مجالاً للالتباس. فهو لم يتوقع «أن يحقق هذا المؤتمر نتيجة.. تفيد أنه نجح». إذاً اللقاء الإقليمي الدولي الموسع، الذي تعلّقت عليه بعض الآمال، لن يكون أكثر من اجتماع آخر.
إدارة الرئيس بوش يبدو أنها قررت الاحتفاظ بما لديها، حول العراق وباقي الملفات، حتى زيارة نائب الرئيس تشيني إلى المنطقة والمقرر أن تبدأ في 12 مايو الجاري. وحتى ذلك الحين حرصت الوزيرة رايس على التحذير من «المبالغة في توقعاتنا»، وهكذا تبينت الحصيلة قبل أن يبدأ المؤتمر. وبالتالي الأضواء استدارت شطر جولة النائب القريبة، فالرجل، خلافاً لأسلافه، لا يكثر من التجوال في الخارج. ليس شغوفاً بالدبلوماسية وممارستها. هو رجل تنفيذي. وحركته، عادة، تحظى بمتابعة واهتمام خاصين.
وعلى الرغم من الهجمات التي تعرّض لها مؤخراً، من جانب قيادات في الكونغرس أو على لسان جورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق؛ إلا أن نفوذه لم يتراجع، على ما يبدو؛ ولا دوره، والدليل جولته المقبلة في المنطقة؛ وفي هذا الظرف الدقيق بالذات. كما أنه لم يتراجع عن قناعاته، أو بالأحرى عن مواقفه، بشأن الحرب على العراق والذرائع التي استندت إليها والتي شارك هو نفسه في نسجها وحياكتها، كما جاء في كتاب تينيت وما سبقه من كلام مماثل.
التحركات والاتصالات التي سبقت شرم الشيخ، أوحت باحتمال خروجه بتطورات، إن لم يكن بخطوات، إيجابية؛ تكون بداية لتغيير في التوجه والتعامل مع الوضع العراقي؛ وربما استطراد مع باقي القضايا المتفجرة، في المنطقة.
إشارات وتلميحات عززت مثل هذا الاعتقاد، خاصة وأنه قد رافقها تليين في لغة الخطاب وتعبير عن رغبات بالتلاقي والتحاور بين الولايات المتحدة وكل من سوريا وإيران. فجأة هبطت التوقعات إلى مستوى تصنيف «مجرد لقاء وزراء الخارجية في غرفة واحدة، هو بحد ذاته تطور مهم»، وكذلك الاكتفاء بالقول إن «أقصى الطموح هو أن تصدر عن المؤتمر رسائل موجهة إلى العراقيين تدعوهم إلى الاستعجال بتعديل الدستور وإجراء المصالحة الوطنية.
على أهمية مثل هذه الأمور في اللحظة العراقية الراهنة، إلا أنها في ضوء التدهور المريع الذي يشهده الوضع هناك؛ كما في ضوء التأزيم الشديد والخطير السائد في المنطقة؛ فإن الحديث عن طموحات بهذا الحجم، لا يقوى مؤتمر تشارك فيه حوالي ستين دولة عدا المنظمات الدولية والإقليمية، على إنتاج نجاحات، ما من شأنه أن يحمل على الكثير من الإحباط. فهذا أكبر تجمع إقليمي ـ دولي يلتئم للنظر في ملف «الأمن الإقليمي» انطلاقاً من المحور العراقي.
كان من الضروري والمرغوب أن يجري التعامل الأميركي معه من موقع العمل على تزخيمه ودفعه لإحراز نتائج ملموسة وليس من موقع تنفيسه عشية إقلاعه، التفسير المباشر لذلك هو أن الإدارة الأميركية ليست في وارد التخلي عن مقاربتها العراقية والشرق أوسطية ولا عن انفرادها بملفات المنطقة، وهي مقاربة لم تنتج غير الذي تعيشه المنطقة والأدهى الذي تنتظره.