لا تفاؤل، ولا تشاؤم بمؤتمر شرم الشيخ حول العراق، وإن ظهرت بوادر أن مصالحات وحوارات بين دول سوف تجري وخاصة إيران وأميركا، وربما أميركا وسورية، ولعل الحضور الكبير سيفتقد لأي قيمة تعيد العراق إلى وحدته الوطنية، ما لم يكن الداخل الذي تحركه قيادات رافضاً للمصالحة ويتبنى بشكل واضح، صراعاً طائفياً لا يمكن تسميته بخلافات سياسية، وهذه الحقيقة جاءت إفرازاً لما تزعم أميركا أن العراق بلد ديمقراطي يمارس سلوك الدولة الحضارية وقيم حقوق الوطن والإنسان، في حين أن تطبيق مثل هذا النظام في بلد كان غارقاً بالحروب والنظام الدكتاتوري، واللذين نتج عنهما ولادة جيلين ممن عايشوا القمع والموت، يستحيل أن يتأهل مباشرة للتعايش، والتفوق على معايشة واقع لا تزال رواسبه قائمة ليصبح الاحتقان الطائفي البديل المباشر لتصفية الحسابات بين الفرقاء..
لسنا على يقين أن يتحول المؤتمر لإنتاج سلام قابل للدوام في حالة بلد يصارع نفسه نيابة عن دول إقليمية ودولية، لأن ما يجري من مساومات خلف ستار المؤتمر وخاصة تلك المرونة في تصريحات كونداليزا رايس، ربما يفتح نافذة مغلقة مع إيران، لكن لا يؤكد أن الحل سيصبح بنفس المرونة إذا ما تمت مناقشة المحظور النووي الذي تراه إيران خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه وتراه أمريكا مشروعاً مرفوضاً باتفاق دولي، ومع ذلك لا يوجد محرم في زواج المصالح إذ سريعاً ما تكون التنازلات عقيدة متغيرة إذا كان لكل طرف فائدة حتى لو كانت على حساب العراق وغيره..
الشيء البارز أن استهداف إيران بضربة عسكرية تراجع كثيراً، وقد تكون الضغوط التي واجهها بوش من الديموقراطيين أحد المؤشرات، لكن الاحتمالات ترشح أن يلتقي الخصوم على صفقات لا تغيب عنها حتى إسرائيل إذا ما تضمنت اللائحة أوضاع المنطقة كلها!..
ولنجاح قهر الفوضى في العراق لابد من قيادة محايدة في النزاعات الداخلية لأن جوهر الموضوع كله، أن الاتهامات المتبادلة حتى بالائتلاف القائم لا توحي، بوجود أرضية تتفق على الخروج من الأزمة، لأن الارتياب بالآخر، والشكوك لم تحسمهما عضوية البرلمان والحصص بالدولة، أو بالتمثيل القانوني، وحتى على مستوى أمن المنطقة، أو تلك الدول المحيطة بالعراق، فإن ديمومة الحرب الأهلية سوف تمد نيرانها للجميع ولذلك لابد من دور مشترك يضع أمريكا عضواً فاعلاً لا خصماً لأطراف عراقية داخلية، ونصيراً لأخرى، ومثلها دول المنطقة..
شرم الشيخ ربما يكون الإطلالة الجديدة على العراق، وربما على ملفات تأجل فتحها ستوضع على طاولة الاجتماعات، لكن السؤال الملح هو:هل هذا المؤتمر شبه الدولي قادر على وضع استراتيجية جديدة تضمن أمن المنطقة، ودون مخاوف من تحالفات بين الأضداد تجاه الدول العربية لتفوز بالنتيجة، إيران وإسرائيل، وفقاً لما حدث زمن شاه إيران، أم أن الخرائط القادمة ستضمن وحدة العراق، وتجزّئه المشكلات بحيث تحل بصيغ القوة الإقليمية والقوة الدولية ويكون العراق النموذج على مثل هذا الاتفاق؟ أم أننا على موعد مع مشكلات جديدة بسيناريوهات أكثر خطورة تقوّض كل شيء؟