اعتصم الآلاف من العمال الفلسطينيين مؤخراً قبالة مقر الأمم المتحدة بغزة وطالبوا برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وتقديم الدعم للعمال بمناسبة اليوم العالمي للعمال، والذي صادف الثلاثاء الماضي الموافق الأول من مايو. ودعا راسم البياري رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين إلى رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني. وخلال الاعتصام رفع العمال المشاركون اللافتات المطالبة برفع الحصار ولافتات المناشدة للأمم المتحدة ومنظمة العمل العربية والدولية بالتدخل لإنقاذ الشعب الفلسطيني من خطر الجوع والفقر.
وأصدر الاتحاد العام لنقابات العمال بياناً طالب الأمم المتحدة بالوقوف أمام مسؤولياتها الإنسانية والإغاثة تجاه العمل والعمال باعتبار الأراضي الفلسطينية مناطق متضررة ومنكوبة، كما دعا البيان إلى ضرورة أن يكون الأول من مايو يوماً للمسيرات الحاشدة والفعاليات الوطنية والاجتماعية تعبيراً عن عظمة قضية العمال. وطالب العمال في رسالة وجهوها للأمين العام للأمم المتحدة ضرورة أن تتحمل الأمم المتحدة المسؤولية من أجل تخفيف معاناة الفلسطينيين ووضع حد للمقاطعة والقيود والعقوبات الجماعية المفروضة على المدن والقرى الفلسطينية.
وطالبت الرسالة الأمم المتحدة بالضغط على إسرائيل من أجل تطبيق قرارات الأمم المتحدة رقم 242 و338 و194 وتطبيق الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 وتحقيق العدالة وعودة اللاجئين وإنهاء كل حالات العداء والكراهية والاعتراف بالسيادة والاستقلال لكل دول المنطقة وحقها بالعيش في سلام وامن داخل حدود آمنة.
من جانبه أكد نائب الأمين العام للأمم المتحدة بغزة أن الأمم المتحدة ترفض الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وأنها لم تكن يوماً من الأيام طرفاً في هذا الحصار، وستستمر في دعمها للشعب الفلسطيني. طبعاً لا أحد يفهم كيف يكون هذا الدعم في الوقت الذي نشاهد الأمم المتحدة عاجزة عن تنفيذ القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية وعاجزة عن وقف الحصار الدولي.
الغريب فعلاً أن يستمر الحصار الدولي على الشعب الفلسطيني دونما مبرر له لا سيما بعد اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتسلم الدكتور سلام فياض منصب وزير المالية. إضافة إلى ذلك فقد شددت الغالبية العظمى من الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة حماس أنها متوافقة على إقامة دولة بحدود 1967 إلى جانب إسرائيل وأعلنت جميع الدول العربية استعدادها للتطبيع الكامل مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
والغريب أيضاً أن يستمر الحصار على الشعب الفلسطيني ويستمر الاحتلال الإسرائيلي وتستمر العملية السلمية معطلة بينما هناك تحذيرات جادة حول خطر تفجر الأوضاع على مستوى المنطقة إذا ما استمرت هذه الظروف القاسية والسوداوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
تحديداً قبل أربع سنوات في 30 إبريل عام 2003 أعلنت اللجنة الرباعية الدولية - الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا «خريطة الطريق» وهي الخطة التي تستهدف إقامة دولتين - فلسطين وإسرائيل - تعيشان بأمن وسلام إلى جانب بعضهما البعض، واليوم نجد أن المجتمع الدولي قد فشل في تطبيق خطته تلك وأن مزيداً من التدهور طرأ على الأوضاع في المنطقة دون أي تدخل فاعل من المجتمع الدولي.
فإسرائيل من جانبها سواء في عهد رئيس وزرائها السابق آرييل شارون أو رئيس حكومتها الحالي إيهود أولمرت واصلت الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري وأحكمت القيود المفروضة على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية وصولاً إلى الحصار الاقتصادي الخانق بدعوى وصول حركة حماس إلى السلطة في انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية بشهادة العالم أجمع. كما واصلت إسرائيل عدوانها العسكري على الأراضي الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة مع كل ما تخلله من اغتيالات وقتل وتدمير وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى وغالبيتهم من المدنيين الفلسطينيين.
والأخطر من كل ذلك أن إسرائيل التي ادعت أنها توافق من حيث المبدأ على خريطة الطريق ـ علما أنها طرحت 14 تحفظاً عليها - عملت خلال هذه السنوات الأربع على سد الطريق أمام أي جهد حقيقي لاستئناف عملية السلام متمترسة خلف ذرائع ومبررات أقل ما يقال فيها إنها استهدفت التهرب من استحقاقات السلام، وصولاً إلى رفض إسرائيل لمختلف مبادرات السلام الفلسطينية خاصة مبادرات التهدئة ثم رفضها العملي لمبادرة السلام العربية التي قرر العرب إعادة تفعيلها في قمة الرياض في مارس الماضي، هذا عدا عما تخلل ذلك من شن إسرائيل لحرب مدمرة في لبنان ثم رفضها لمختلف نداءات السلام التي أطلقتها سوريا.
هذا يعني أن المجتمع الدولي فشل حتى الآن فشلاً ذريعاً في إلزام، إسرائيل حتى بتطبيق الخطة التي أقرها لتحقيق السلام ولم يتخذ أي خطوة لوقف انتهاكات إسرائيل الفاضحة للقانون الدولي ونسفها لجهود السلام واكتفى بدور المراقب لما يجري مع ممارسة ضغوط على الجانب الفلسطيني لتقديم مزيد من التنازلات لإسرائيل. بل إن المجتمع الدولي الذي قبل اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بردود فعل متباينة ما زال يتلكأ في التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة رغم رسالة السلام الواضحة التي انطوى عليها برنامجها ورغم إعلانها بوضوح احترامها للشرعية الدولية وللاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير.
وبذلك فإن من الواضح أن الجانب الذي يسد الطريق أمام السلام هو إسرائيل بمواقفها الرافضة لمختلف المبادرات بما فيها الخطة الدولية، كما أن الموقف الدولي غير الفعال وغير الجاد والمصاب بازدواجية المعايير شجع إسرائيل على المضي قدماً في تنفيذ مخططاتها وبالتالي ترسيخ غياب الأمن والسلام وتصاعد التوتر في هذه المنطقة من العالم من تناقض يبعث على المفارقة مع ما يعلنه المجتمع الدولي من أهداف وفي مقدمتها ضمان الاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.
وبالرغم من كل الإجراءات التعسفية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والحصار الدولي ضده فإن قرار الفصائل الفلسطينية بالرد العسكري ضد الهجمات العسكرية الإسرائيلية يواجه بالنقد من بعض الدول العربية والشجب من غالبية المجتمع الدولي. مؤخراً حذر اللواء برهان جمال حماد، رئيس الوفد الأمني المصري الذي زار الأراضي الفلسطينية من مغبة خرق التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتأثير ذلك على الأولويات الفلسطينية والقضايا الهامة.
من الطبيعي والمنطقي أن يغضب كل فلسطيني مهما كان انتماؤه أو رأيه أو فكره ورؤيته لقيام سلطات الاحتلال بعدوان ضد أي مدينة أو قرية أو مخيم أو مجموعة أو فرد فلسطيني. ومن الطبيعي أن تنتابه الرغبة في الرد أو الانتقام. ولكن القوى الفلسطينية في إطار هذا الصراع يجب أن لا تبحث عن الانتقام أو ردود الفعل، ولكن بحاجة إلى فعل مقاوم حقيقي يؤثر على الاحتلال ويسرّع في إنهائه بشكل كامل عن الأراضي الفلسطينية.
الأولويات الفلسطينية في هذه المرحلة هي إنجاح حكومة الوحدة وخاصة في مهمتين رئيسيتين وهما القضاء على الفلتان الأمني وفوضى السلاح، وفك الحصار السياسي والاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني. وبناء عليه ندعو الدول العربية والعالم الإسلامي والمجتمع الدولي إلى رفع الحصار الخانق عن الشعب الفلسطيني لأن الأسباب التي من أجلها فرض وإن كانت غير مشروعة لم تعد موجودة الآن.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.coma