الهدف في المدينة الفاضلة هو المواطن، فأسلوب حياته، صحته، تعليمه، رفاهيته الاجتماعية، قضاء حوائجه... إلخ. أما الهدف في المدينة الفاسدة فهو تحقيق المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة وحدها دون عامة الناس.

لكن ما الطريق لتحقيق الهدف في المدينة الفاضلة؟

إنه خطة شاملة تتناول جميع القطاعات في الدولة، خطة عملية تنبع من الواقع وتعمل على تغييره، خطة تعترف بالقصور وتسعى إلى القضاء عليه بأسلوب عملي يتفق مع قواعد التخطيط المستثمرة في علوم التخطيط والإدارة، وعلى وجه التحديد مع أحدث ما توصلت إليه تلك العلوم من تقدم وتطور.

وإذا نظرنا إلى الوضع في دولتنا الاتحادية الحالية، نجد أن الهدف هو المواطن من أبوظبي، مروراً بدبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة وحتى الفجيرة، أما خطة تحقيق الهدف فقد تم وضعها في استراتيجية الحكومة الاتحادية التي تدرك قصور بعض القطاعات عن الوصول إلى الأهداف التي وضعتها الدولة للارتقاء بالوضع التعليمي والصحي والاجتماعي والقضائي لمواطنيها، رغم الإمكانات الكبيرة الموضوعة في أيديها والتي تقدر بمليارات الدولارات على مدى السنوات الماضية.

ومن ثم تعيد الاستراتيجية النظر في الواقع، وتقدم البديل العلمي الكفيل بتغييره نحو الأفضل في ضوء خصوصية الوضع الإماراتي كدولة اتحادية «فيدرالية».

ولا يمكن أن يحدث تغيير نحو الأفضل دون أن نضع في الحسبان التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتطوير القطاع الحكومي، والعدل والسلامة، والبنية التحتية وتنمية المناطق النائية.وهي القطاعات الستة التي أوردتها استراتيجية الحكومة الاتحادية.

وفي ظني الشخصي أن مفتاح التغيير في هذه القطاعات هو تطوير القطاع الحكومي الاتحادي؛ لأن هذا القطاع هو المنوط بتنفيذ استراتيجية الحكومة الاتحادية في كل القطاعات الأخرى، فليس هذا القطاع واحداً بين عدة قطاعات، بل هو الأساس والأداة، إن صلح صلحت القطاعات الأخرى، فالقطاع الحكومي الاتحادي هو اليد القوية للجسد، ودونه سوف يكون الجسد عاجزاً عن إحداث أي تغيير حوله، إن عقل الجسد موجود ويعبر عن نفسه في خطة عملية طموحة، يعبر عن نفسه في استراتيجية الحكومة الاتحادية التي تكشف عن فكر وتدبير له سمات العقل الاستراتيجي.

لكن العقل وحده لا يكفي، بل لابد من يد تنفذ، وتنقل الحلم إلى واقع. وهذه اليد هي القطاع الحكومي الاتحادي، الذي أعيد التأكيد على أنه مفتاح التغيير الحقيقي؛ وهو الأداة التي يمكن بها تحقيق التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، والعدل والسلامة، والبنية التحتية، وتنمية المناطق النائية.

ومن ثم فالوضع الطبيعي في الأولويات هو تطوير القطاع الحكومي الاتحادي، ولا ينبغي أن يتأخر هذا الوضع في الترتيب بين قطاعات الإصلاح في الاستراتيجية، فالنقص والقصور في التخطيط الاستراتيجي، والضعف في الإطار التشريعي والقانوني والإداري، وغياب السياسات الواضحة تجاه كافة الأنشطة الحيوية والمهمة، وعدم القدرة على ملاحقة حجم المتغيرات وسرعة حدوثها خلال السنوات القليلة الماضية.

فضلاً عن طول دورة صنع القرار في مؤسسات الدولة الاتحادية، وهي جوانب القصور التي أشار إليها وعددها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ترجع في المقام الأول، من وجهة نظرنا إلى القطاع الحكومي الاتحادي.

ومن هنا فإن من المنطقي أن تضع إستراتيجية الحكومة الاتحادية في حسبانها تطوير القطاع الحكومي، ودراسة كل الجوانب المتعلقة به، وتفعيل برنامج الحكومة الإلكترونية على المستوى الاتحادي، وأن تؤكد على التخطيط الاستراتيجي لهذا القطاع الحيوي، من خلال تحديث الهياكل التنظيمية للوزارات والارتقاء بنظام الخدمة المدنية، وتأهيل قيادات الصف الثاني، مع وضع نظام متكامل لمتابعة الأداء، وإعداد نظام لقياس الأداء الوظيفي بناء على الأهداف والنتائج.

وبطبيعة الحال لن نحصل على نتائج مثمرة بدون منح الوزارات المزيد من الصلاحيات والمرونة بما يساعد على تحقيق خططها الإستراتيجية والوصول إلى المعدلات المستهدفة للأداء.

ولاشك أن تطبيق هذا الفكر الاستراتيجي سوف يسفر عن تطوير مستوى الخدمات الحكومية، حيث إن هذا الفكر يعتمد على تطبيق أفضل الممارسات العالمية في مجال تطوير القطاع الحكومي، ونشر ثقافة الخدمة المتميزة، ولذا أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، على أن ثقافة العمل السائدة يجب أن تتغير، لتحل محلها ثقافة الإبداع والابتكار والإنتاجية والتفاني في أداء الواجب الوطني.

وقال سموه: «ستكون القوانين والأنظمة والهياكل الإدارية والمالية في خدمة هذه الثقافة الجديدة، وستكون الوزارات وحدات إنتاجية تنافس في أدائها أفضل الممارسات العالمية».

وليس هذا التصريح من سموه مجرد شعارات استهلاكية تقال في المناسبات، بدليل أن سموه أمر بإدخال تعديل على الهياكل التنظيمية للوزارات وتغيير مسميات شاغلي الوظائف العليا فيها، مع تبني ترتيبات مماثلة لمجالس الإدارات في الشركات الخاصة، وذلك بهدف ترويج ثقافة القرار المؤسسي وتعزيز روح المساءلة.

ولذا طالب كل الوزارات بتجهيز برامج إعداد القيادات والتفكير الجدي في إعداد خطط للتدريب على أعلى مستوى عالمي، مع الوعد الحر من الرجل الحر في إطار من الشفافية الكاملة بأن الترقيات سوف ترتبط بالإنتاجية وتقارير الأداء، فلن تتاح فرص الترقية، إلا لمن هو جدير بها، مع البعد عن البيروقراطية في الترقية؛ إذ المعيار هو الكفاءة؛ إذ يستطيع المجتهد نيل ترقية سنوية، والقفز خلال سنوات معدودة إلى الدرجات العليا.

وهذا ما نأمل تحقيقه لأن كل موظف في الحكومة الاتحادية هو محل الاهتمام المباشر من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يعمل مخلصاً من أجل فتح فرص التطور والترقي أمام أهل الإخلاص والتفاني في العمل الجاد من أجل خدمة الأمة الاتحادية ومواطنيها من أبوظبي وحتى الفجيرة.

وعلى هذا فمن الواضح أن رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي الوصول بالحكومة الاتحادية إلى «أن تكون من أفضل الحكومات في تقديم الخدمات، وأن تكون مكاناً لاحتضان الطاقات المواطنة المؤمنة بقيادتها والقادرة على ابتكار الحلول وتبني أفضل الممارسات العالمية». بل الأمر يتجاوز ذلك إلى جعل ممارسات الحكومة الاتحادية هي الممارسات القياسية التي تسعى الدول إلى تبنيها وتقليدها.

إن التغيير نحو الأفضل في مجالات التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والعدل والسلامة، والبنية التحتية، وتنمية المناطق النائية، لن يتم من دون تطوير القطاع الحكومي الاتحادي؛ فهو مفتاح التغيير الحقيقي في هذه القطاعات وهو المنوط بتنفيذ استراتيجية الحكومة الاتحادية. إنه هو الوسيلة والأداة، وينبغي أن يكون له الأولوية القصوى حسب منطق الأولويات العلمي.. والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com