إذا كنت مواطناً تركياً تحرص على أداء صلاة الفجر في المسجد وحضور صلاة الجمعة بانتظام فأنت في نظر قادة الجيش التركي تشكل تهديداً محتملاً على النظام العلماني.

إن المفترض أن كمال أتاتورك قد استورد النظام العلماني من أوروبا الغربية لكن في بلدان أوروبا الأمس كما في أوروبا اليوم يذهب رؤساء ووزراء إلى الكنيسة أيام الأحد أو من حين لآخر دون أن يصنفوا كمصدر تهديد للنظام العلماني السائد ودون أن يتعرضوا لتوبيخ من القائد العام للقوات المسلحة، هذا هو وجه الاختلاف بين علمانية تركيا وعلمانية الغرب.

علمانية الغرب تعني أن يكون جهاز الدولة محايدا بين الأديان المختلفة بينما يعتبر جنرالات تركيا أن النظام العلماني الأتاتوركي استحدث خصيصا لممارسة عداء منظم للدين الإسلامي تحديداً. وبمرور السنين امتد عداء المؤسسة العسكرية التركية إلى النظام الديمقراطي لأن الديمقراطية تتيح الحريات الأساسية للجميع دون تفرقة.. بما في ذلك الإسلاميون كما هو الحال في الغرب، لهذا كان رد الفعل الأوروبي الرسمي قوياً وصريحاً عند نشوء الأزمة السياسية الراهنة في تركيا بسبب تدخل قادة الجيش في مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية من أجل منع «حزب العدالة والتنمية» ذي التوجه الإسلامي من الحصول على المنصب.

إنه تدخل غير مشروع بأي معيار من معايير النظام الديمقراطي. هذا هو فحوى رد الفعل الأوروبي على تحرك الجنرالات. فقد أعلن الناطق باسم «الاتحاد الأوروبي» أنه من المهم ان يترك الجيش مسألة الديمقراطية للحكومة المنتخبة ديمقراطياً ـ أي حكومة حزب العدالة والتنمية ـ ولا شك أن ما كان يعتمل في ذهن هذا الناطق الأوروبي.

وهو يدلي بتصريحه القوي للصحافيين هو طلب تركيا الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. فالناطق أراد أن يذكر الجنرالات الأتراك بوثيقة «معايير كوبنهاجن» التي تشتمل على الشروط الواجبة على أي دولة تطلب الانضمام للاتحاد. ومن بين هذه الشروط إبقاء الجيش بعيداً عن الشأن السياسي.

قال الناطق الأوروبي إن مصير الأزمة المتفاعلة في تركيا ستكون اختباراً للجيش التركي ومدى احترامه لشرط السيطرة المدنية على القوات المسلحة كما هو وارد في معايير كوبنهاجن. وأضاف: من المهم أن يحترم الجيش قواعد اللعبة الديمقراطية.

ما يستخلص من كل هذا أن «النظام العلماني» التركي في حاجة إلى إعادة تعريفه وعلاقته بمبادئ النظام الديمقراطي ومؤسساته وتحجيم دور الجيش ونزع عدوانيته غير المبررة لدين واحد بعينه. عدا ذلك ستظل عبارة «النظام العلماني» تركيباً لفظياً فضفاضاً قابلاً لأي تفسير.. وليس اصطلاحاً دستورياً ذا صياغة قانونية دقيقة.

منذ بدء تطبيق «العلمانية» الأتاتوركية على مدى أكثر من 80 عاماً حتى الآن، ظلت طغمة الجنرالات تعتبر نفسها المرجعية السياسية النهائية، وقد آن أوان التغيير لتنتقل المرجعية إلى جمهور الناخبين.