تقرير لجنة فينوغراد، التي حققت في مجريات حرب إسرائيل على لبنان، الصيف الماضي؛ مازال منذ أيام حديث الساعة. خاصة ردود الفعل التي أثارها، على الصعيد الداخلي. وفي هذا الصدد كان مصير أولمرت وحكومته في وسط دائرة الضوء. سهام الملامة في الإخفاق والتقصير توجهت إليه بشكل أساسي.
من هنا كثرت الدعوات والمطالبات بضرورة استقالته؛ كثمن لفشله. حتى من صفوف حزبه طلعت أصوات مماثلة. أحد وزرائه أعلن استقالته، اعتراضاً على رفض أولمرت ترك منصبه، الترجيحات أنه لن يقوى، في آخر المطاف، على البقاء فهو مضطر، في وقت ما، إلى إعلان استقالته. ربما بعد صدور الجزء الثاني من التقرير، أو، حسب تقريرات إسرائيلية، بعد اختيار شريكه حزب العمل، لقيادته الجديدة، أواخر هذا الشهر، الجدل يدور في معظمه حول التداعيات، من هذه الناحية؛ كما حول توقيت الاستقالة.
لكن هذه التفاصيل، على أهميتها، لا تشكل لب تداعيات التقرير. أولمرت انتهى سياسياً في كل الأحوال. لا فرق سواء غادر الآن أو أرجأ استقالته إلى وقت لاحق. صار عبئاً على حزبه كما على حلفائه. وبالتالي مصيره، الذي حدده عدوانه على لبنان، بات معروفاً.
ما بعد هذا التقرير هو المهم. عنوان هذا الـ «ما بعد» تؤشر إليه المداولات المتواصلة التي أطلقها التقرير، على المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية؛ والتي تتقاطع جميعها عند عبارة «العسكرة». أو بالأحرى رفع وتيرة العسكرة، للمجتمع الإسرائيلي ومؤسسات كيانه. وكان ذلك بارزاً ومحورياً في ردود كبار العسكريين المتقاعدين، كما في تعليقات النخب الإعلامية واستطراداً في ردود الرأي العام الإسرائيلي.
القاسم المشترك بين هذه الأوساط كان التشديد على ما يسمونه بالعمل العسكري المبادر. أو الاستباقي، يعني العودة إلى لعب ورقة العدوان المسبق بذريعة أنه عمل «وقائي»، وفي هذا السياق أشارت أصابع التحريض إلى لبنان والضفة؛ تحت شعار حاجة إسرائيل إلى ضرب مكامن القوة قبل اكتمالها، لئلا تشكل خطراً على أمنها!
من هنا فإن التقرير عمل، حسب العديد من القراءات الإسرائيلية، على تغليظ سياسة العصا الإسرائيلية، «بحيث صار من أولويات الحكومة زيادة موازنة الجيش لرفع درجة استعداده وتعزيز قوته وتكثيف تدريباته وبالذات تدريب قوات احتياطه التي تشكل 70% من حجمه».
كما توقع العديد من المراقبين «أن تنسحب العسكرة على سياسات إسرائيل». وإذا ما عرفنا من تاريخها أن تل أبيب ما كانت مرة أقل من متعسكرة، فإن الرسالة من الحديث الآن عن المزيد من هذا التوجه تصبح واضحة وهي أنه لن يكون في جعبة أية حكومة إسرائيلية، من الآن وحتى إشعار آخر في أحسن الأحوال، سوى الورقة العسكرية العدوانية، المتسترة بالحاجة إلى الوقاية والعمليات الاستباقية.
أما السلام وعملياته وخرائطه ومبادرته العربية المطروحة؛ فلا مكان له الآن في الأجندة الإسرائيلية. ناهيك بأجندة إدارة الرئيس بوش، التي لم تحتل القضية الفلسطينية فيها يوماً مقام الأولوية، بصورة جادة. وربما ما قاله قبل أيام قليلة السناتور الجمهوري تشاك هيغل ـ المناهض لحرب العراق ـ يسلط بعض الضوء على فتور الإدارة بخصوص هذا الملف؛ وذلك عندما كشف بأن اليوت أبرامز نائب مستشار الرئيس بوش هو المسؤول عن رسم سياسة واشنطن تجاه القضية، وهو أحد أبرز الصقور الصهاينة في واشنطن. وبذلك صارت اللوحة واضحة وعلى المنطقة التصرف على أساسها.