نحاول أن نقرأ ما بين فترتي الجولة الأولى والثانية مع مقاربة سريعة ما بين انتخابات 2002 و2007 من الجوانب الإحصائية والسياسية فقد حدثت متغيرات جديدة في فرنسا، فإذا ما كان لوبان في 2002 دخل الجولة الثانية مع شيراك بفارق اقل بـ 3% (88,19% مقابل 86,16 %) فقد خرج في الجولة الثانية مهزوما اشر هزيمة نتيجة مواقفه العنصرية والمعادية للسامية فصوت الأربعة عشر مرشحا لشيراك من اجل إنقاذ فرنسا فحصد 2,82%.
وتعتبر تلك القفزة المهولة بين الجولتين أول ظاهرة ليس في فرنسا وحسب بل وفي كل أنحاء العالم، حيث لم يزد لوبان عن الجولة الثانية بأقل من واحد في المئة (8,17%) وتعمقت أثارها السلبية في الانتخابات الحالية فتراجع إلى ( 4,10%). لقد غرف ساركوزي من كعكة لوبان سبعة في المئة حيث تعتبر المنطقة الشرقية في فرنسا قلعة لليمين المتطرف في انتخابات 2002.
وإذا جمعنا حصة شيراك الماضية ولوبان الحالية فإنها تبلغ على اقل تقدير88% فمن أين جاء ساركوزي عام 2007 بالأربعة في المئة الحالية ؟ إن لم يكن الحزب الذي ينتمي إليه شيراك وساركوزي استرد عافيته وبالمقابل استرد الاشتراكيون عافيتهم السياسية فقد حصلت رويال على (25.9%) مقابل جوسبان (18,16%) في الانتخابات الماضية، فكلا الجانبين من ضفة التنافس احتكرا السلطة وتناوبا عليها فبدت وكأنها في العقود الأربعة الأخيرة صراعا لنظام الحزبين.
وإذا كان الاستطلاع مصيبا بتحديد المتنافسين للدورة الثانية مع هامش طفيف من الخطأ الإحصائي، فإن المستطلعين وقعوا في قراءة خاطئة كبيرة للرأي العام بخصوص نتائج بايرو، فقد فاتهم فهم متغيرات الشارع السياسي في فرنسا لتيار جديد يمثل الوسط إذ حصل بايرو على 6,18% تفوق الضعف قياسا بالدورة السابقة متخطيا الحصان العجوز والذي لم ينهض من ضربة الشارع الفرنسي بسبب عنصريته وخطاباته العدائية.
(على فكرة ساركوزي مولع بركوب الخيل وبايرو مغرم بتربيتها، ولكنهما مولعان بنمط الحياة الأميركية كل بطريقته). وبنصيب الأسد الانتخابي المفاجئ يصبح بايرو ورقة الجوكر في اللعبة، وحاول المتنافسون في هذه الفترة الحرجة اجتذابه إلى ضفته بتقديم حقائب وزارية لحزبه. ومن الخطأ أن يكون خطاب الطرفين بنبرة تعال لي لكي أمنحك مقاعد وزارية في حكومتي!
تلك اللغة ستكون مقتل الاثنين، فمن الأفضل الحديث مع بايرو بروح الشراكة والائتلاف السياسي، لكي يقنع أنصاره أولا أنهم لا يدخلون الحكومة القادمة إلا باتفاق حول برنامج موحد، إذ كان مبدأ بايرو انه يمثل الطريق الثالث الجديد ـ الوسط فيجمع في بوتقته اليمين واليسار ولا مانع أن يتحرك بين الضفتين ولكن بشروطه التفاوضية الخاصة.
حيث يهيئ حزبه عبر تلك اللعبة للجولة القادمة ويحافظ على وحدة الحزب من الانشقاق، فإما أن يوافق بالمشاركة الرابحة أو يترك خصميه يتنازعان. يبقى لدى رويال أيضا مغازلة ثمانية من عشرة مرشحين وتشكل نسبتهم جميعا (%8,13 ) وغالبيتهم اقرب إلى تيار اليسار فيما عدا فيليب وفرديدرك اللذين يملكان معا (%3,3) وكانا دائما يمثلان اليمين المحافظ وعملا في حكوماتها.
ويصب تيار اليسار(%5,10) عادة في الجولة الثانية أصواته للاشتراكيين، لكن المشكلة في تلك الأحزاب الصغيرة، وهي قبة الميزان في البرلمان والرئاسة، انها لا تستطيع التحكم في قواعدها وتجبرهم طوعا للتصويت. ويصب أنصار اليمين المتطرف عادة في الجولة الثانية أصواتهم لليمين، ويبقى ساركوزي غير قادر على تخطي رويال فيما لو تجمعت سلة اليسار وبايرو معا بعد الانتهاء بنجاح من مفاوضات الكواليس، (9,25+5,10+6,18= %55 ) وتصبح النتيجة مقلوبة لصالح رويال وليس كما رسمها الاستطلاع أن الدورة الثانية ستكون 54 لساركوزي و46 لرويال.
يبقى الاحتمال متأرجحا بالاعتماد على الجوكر فهو عنصر قوة الطرفين وانتصاره، وهناك عنصر مؤثر نسبيا هو دخول الممتنعين عن التصويت في الجولة الثانية وخيارهم بين المتنافسين فهم يشكلون ما بين % 12-15 من الأصوات. وإذا ما قدم رويال وساركوزي لحزب الوسط الصاعد تنازلات مغرية في شراكة الحكومة .
وهي الورقة التي سيتحرك بينهما الجوكر فان الحسم سيكون لمن يقرر بايرو اللحاق بركبه. يبقى تبدل الناخبين في فترة الأسبوعين أمرا صعبا إلا إذا كشف احد الطرفين عن فضيحة كبرى على الطريقة الأميركية، تهز الرأي العام الفرنسي الذي تميز تاريخيا بوعي سياسي. ولوحظ الانحسار النسبي في عدد المرشحين من 12 إلى 16 كما أن ثلثي المرشحين هذه المرة من النساء، بل ولأول مرة تصعد امرأة لجولة المنافسة للرئاسة، وليس مستبعدا أن تدخل رويال الاليزيه كأول رئيسة لفرنسا.
ارتفاع جيد للحزبين التاريخيين وانحسار كارثي لليسار التقليدي المعتدل (الشيوعيين 19,1% ) وحفاظ التروتسكيين جناح الأممية الرابعة التي يمثلها اوليفر الشاب بنسبة مماثلة بين الدورتين (1,4%). وبذلك يعكس الشارع الفرنسي عودة الشباب لليسار الراديكالي وانكماشه عن اليمين المتطرف. كما تميزت هذه الانتخابات باتساع رقعة تيار الوسط اجتماعيا وتنظيميا وسياسيا فاجتذب شرائح ونخبا واسعة من كل التيارات نتيجة إحباط الشارع من سياسة الحزبين وفشلهما في حل القضايا الداخلية.
وتورطهما في سياسات خارجية متقلبة. الاندفاع المحموم من المهاجرين ومساهمتهم في اللعبة الانتخابية ليكون لهم دور أوسع في السياسات القادمة ويجنوا ثمارها فتسبب في ارتفاع نسبة التصويت بين الدورتين بنسبة %2,12. ظل هناك رقما يقارب السبعة ملايين صوت من نسبة الذين يحق لهم التصويت لم يساهموا لأسباب عدة. ومع ذلك اعتبرت الانتخابات قياسية لم تحدث مثلها منذ نصف قرن.
ويشكل الصعود السريع والمكثف لتيار ثالث تعبيرا عن مأزق سياسي ونمو موقف جديد في المجتمع نتيجة المتغيرات الدولية والداخلية. وبتعبير بايرو يسميها بإعجاب (الكلنتونية) التي تقول لا يسار ولا يمين إنما طريق ثالث. لوحظ إقبال مليون صوت في الخارج على الانتخابات، وقد اختار غالبية ناخبي تيمور الشرقية والتي ضمت ما يقرب من 428 ألف صوت الميل للأحزاب الصغيرة وبايرو.
في النهاية سيتحكم المزاج العام والمساومات والمناورات الأخيرة في التأثير على قاعدة الاثني عشر مرشحا وإقناع من تخلف وامتنع عن التصويت بالمشاركة فكلها باتت أرقاما تؤثر في ميزان الدخول لقصر الاليزيه. فهل يحافظ اليمين على ذلك القصر لدورة جديدة ؟.
كاتب بحريني
