أن تقرأ وتسمع آراء أوروبية وأميركية محايدة تقول بتزايد أعمال الإرهابيين وتعدد مدارسهم وتطور نظمهم، وأن العراق أصبح رديفاً، أو بديلاً لأفغانستان في تنامي هذه الظاهرة لسبب يعود للاحتلال والتي خلقت الفوضى المجنونة، فإن هذه الآراء تعرّف المشكلة بإطارها الدولي وليس الإقليمي ومخاطرها التي توزعت على دوائر لم تكن يوماً هدفاً، حتى إن ما جرى من خلق عناصر إرهابية تدين لدول ذات منحى أيدلوجي أرادت توظيف صراعها على أكبر جبهة عالمية، لم تكن بقدرة الإرهاب الحديث، والذي حتى بتعاون معظم دول العالم على كشف منابته إلا أنه استطاع تغيير أشكال عمله بما يوحي أن الظاهرة طورت وجودها من خلال حماقات وأغلاط سياسية ومن دولة عظمى خسرت نفوذها السياسي واسمها المعنوي من خلال تلك السلوكيات..

مناطق التوتر هي البيئة الصالحة التي تنمو فيها فصائل الإرهاب، ولعل العراق والصومال، وقبلهما أفغانستان تحولت إلى مثلث رعب، وطالما الاتجاه الدولي استطاع توصيف القضية دون حلها، فإن وسائل الحماية بإيقاف تأشيرات الدخول لجنسيات عربية وإسلامية عززت إرهاباً آخر بتنامي العنصرية ضد مواطنين اكتسبوا جنسيات تلك الدول، ووسعت العمل مع قوى سرية جعلت تمرير الأموال بوسائط مختلفة عنصر قوة لهم حتى لمن تدعي أنها محصنة ومحمية بسبب نظمها وقدرات أجهزة أمنها، والتي باتت جزءاً من خط النار الساخن في المواجهة مع الإرهابيين..

مثلاً لقد عجزت كل القوى العالمية عن الوصول إلى قيادات الإرهاب، وحتى مقتل بعض قادة القاعدة في العراق، أو القبض على العناصر الثانوية، لم يضع حلولاً أو حتى يوحي بضعف تلك التنظيمات، ومن هنا باتت الحلول السياسية لوقف النزيف الذي أحدثه الإرهابيون متوقفة على حل الإشكالات الأساسية التي جعلت منه ورقة ضغط ليس على حكومات عربية فقط، وإنما على دول لديها القدرة على حسم مشكلة الصراع العربي - الإسرائيلي، وضمان وحدة العراق وإيقاف الحرب في الصومال، وحصر بؤر الصراع الأخرى مثل دارفور في نطاقها المحلي بدلاً من صراع مستعر بين أمريكا والصين على ثروات ذلك الإقليم..

المشكلة أن أخطاء القوى الكبرى تصبح فواتير دم ودمار على الدول المستهدفة والعراق مثال صارخ ووثيقة إدانة لكل من عمل على خلق فوضاه القائمة، ومن المستبعد إعادته إلى حياته الطبيعية في ظل تقاتل باسم التاريخ، وبالنيابة عن دول إقليمية وقوى خارجية، والمثل ينطبق على مناطق عربية وإسلامية قد تواجه نفس المصير لو جاء الخلل من تصرف أحمق كالهجوم على إيران أو السماح بتكرار حرب أهلية بلبنان، أو تسويغ سياسة المماطلة في خلق سلام ثابت بين إسرائيل والعرب..

لقد تكرر الحديث عن هذه الفوضى الخلاقة، كما يصفها الأميركيون، لكن الفوضى تستطيع أن تعبر الحدود إلى أكثر من جهة تماماً كأي وباء يتسلل عبر القنوات المفتوحة، والإرهاب صورة "معولمة" لاتجاه جديد خالف توقعات من رسم خطط النظام العالمي الجديد، وبشّر بسلطة القطب الواحد لتكون النتيجة بورصة سياسية مفلسة لفوضى عامة..