السيطرة المدنية على الجيش هي في مقدمة الشروط الديمقراطية التي ينبغي أن تستوفيها سلفا أي دولة ترغب في الانضمام إلى عضوية «الاتحاد الأوروبي».

لهذا رأت مفوضية الاتحاد الأوروبي أن تتدخل في المشهد التركي الراهن لتذكر جنرالات الجيش التركي أن المحافظة على النظام العلماني في تركيا ( أو في أي دولة أخرى تأخذ بالنظام الديمقراطي الليبرالي) ليس فرض هيمنة عسكرية على المؤسسة الديمقراطية وليس بوسع جنرالات تركيا أن يزايدوا على الحكومة المدنية بأنهم أوصياء على النظام العلماني لأن تركيا ليست أكثر علمانية من الدول الأوروبية التي لا يتحكم في شأنها السياسي جنرالات الجيش.

نشأت الأزمة الراهنة عندما أعلن «حزب العدالة والتنمية» الحاكم المتقدم بمرشح إلى منصب رئيس الجمهورية لدى شغور المنصب بانتهاء ولاية الرئيس أحمد نجدت سيزار. لكن بدا الآن أن الجنرالات كانوا يتحينون فرصة كهذة لاستعادة جبروتهم السلطوي الذي اخذ في التآكل خلال السنوات الأخيرة منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم.

ولم يكن تطير الجنرالات من هذا الحزب بغير سبب، فالاكتساح الانتخابي الذي حققه ليس له نظير سابق منذ تأسيس الدولة العلمانية التركية في عشرينات القرن الماضي مما جعله يستأثر بحوالي ثلثي عضوية البرلمان.

وبهذه الشعبية الكاسحة أصبحت حكومة الحزب أقوى حكومة مدنية في تاريخ تركيا المعاصر. ومع مرور الأيام أثبتت الحكومة جديتها في الحكم الصالح بحيث أنها حققت في وقت وجيز ازدهاراً اقتصادياً بمعدل نمو غير مسبوق.

هذه المتانة السلطوية المستندة إلى قاعدة شعبية عريضة أزعجت طاقم الجنرالات بطبيعة الحال خاصة وأنها ظلت تمارس شؤون الحكم باستقلالية عن المؤسسة العسكرية، ومما ضاعف من قلق الجنرالات لجوء الحكومة إلى تطبيق إصلاحات ديمقراطية أفرزت المزيد من الحريات والمزيد من سيادة القانون مما أدى إلى تحجيم السطوة غير القانونية لأجهزة الأمن الداخلي، تلك الأجهزة التي كان يعتمد عليها الجنرالات في قهر الخصوم السياسيين بوسائل الاعتقال غير القانوني والتعذيب.

ولم يكن للجنرالات أن يعترضوا على هذه الاصلاحات الديمقراطية لأن حكومة حزب العدالة والتنمية كانت تطبقها باسم الاستجابة لشروط الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي. وبالتالي فإنهم اضطروا إلى كظم غيظهم وهم يرون سلطتهم السياسية التقليدية تتقلص يوما بعد يوم في انتظار فرصة ملائمة للتمرد على السلطة السياسية المدنية.ويبدو الآن أنهم ومن خلال الجدل الناشيء عن تطلع حزب العدالة والتنمية إلى منصب رئيس الجمهورية قد وجدوا ما اعتبروه فرصة باسم النهوض لحماية النظام العلماني.

أجل إن قيادات حزب العدالة والتنمية ذوو جذور وتوجهات إسلامية. لكن رغم انهم استحدثوا حريات قانونية يمكن ان يستفيد منها الإسلاميون في البلاد مثل غيرهم، إلا أنه لايمكن القول قانونياً أنهم ينسفون أركان النظام العلماني.الجنرالات «وصوليون» كما ألمح رئيس حزب العدالة طيب رجب اردوغان.. فادعاء حماية العلمانية ليس سوى ذريعة لتحجيم أو حتى نسف النظام الديمقراطي من أجل أن يستردوا سلطة ضائعة ليسوا جديرين بها.