ثلاثة عقود، بل اثنان وثلاثون عاما ومنطقة المغرب العربي كلها تعاني من استمرار أزمة الصحراء الغربية التي استعصت حتى الآن على كل الحلول والمبادرات الإقليمية والدولية.فمنذ خروج المستعمر الاسباني من الصحراء عام 1975، بعد أن بقي فيها واحدا وتسعين عاما، والنزاع مستمر حولها بين المملكة المغربية من جهة وجبهة «البوليساريو» المدعومة جزائريا من جهة ثانية.
لكن ذيول النزاع وتداعياته شملت كل الدول المغاربية دون استثناء، حيث كانت موريتانيا طرفا مباشرا فيه قبل انقلاب يوليو 1978، كما شاركت في النزاع أو تأثرت به كل من ليبيا وتونس، فضلا عن أن هذه الأزمة ظلت ولا تزال العقبة الأساسية في وجه قيام اتحاد مغاربي يجمع شتات المنطقة ويوحد جهود دولها وإمكانياتها الكبيرة، إذا وجهت الوجهة الصحيحة في إطار سياسي سليم وبتعاون مشترك جاد وفعال يعود بالفائدة على الجميع.
وقد طرح العديد من الأفكار والمبادرات بحثا عن حل متوازن تتفق حوله كل الأطراف المعنية، وكانت أولى هذه المبادرات وأكثرها قبولا فيما بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 القاضي بإجراء استفتاء بين سكان الصحراء لتقرير مصيرها، لكن المستعمر الاسباني حينها، الذي سبق أن أعلن الصحراء «محافظة اسبانية» عام 1961، قابل قرار الأمم المتحدة في السنة التالية له بإعلانه التحضير لاستغلال مناجم الفوسفات في الإقليم.
لكن الاتفاق حول مبدأ الاستفتاء رافقه خلاف مزمن حول تفاصيله وكيفية إجرائه، رغم تدخل الأمم المتحدة وشروعها عام 1993 في تسجيل الصحراويين وتحديد هوياتهم، تمهيدا للاستفتاء الذي انتهت المرحلة الثانية من الإعداد له عام 1998 دون أن تتوصل إلى نتيجة حاسمة أو اتفاق مشترك بين الفرقاء.
وفي عام 2000 تقدمت الولايات المتحدة وفرنسا إلى مجلس الأمن الدولي بمبادرة تقوم على اعتماد حل سياسي، وتنص أساسا على «إعطاء حكم ذاتي للصحراويين ضمن سيادة المغرب». وعلى أساس هذه المبادرة التي تبناها مجلس الأمن في قراره رقم 1309 الصادر في يوليو من العام نفسه، جرت جولات من المفاوضات بين المغرب والبوليساريو في كل من لندن وجنيف وبرلين، لكنها باءت بالفشل كغيرها من المحاولات السابقة، واللاحقة، المتعددة الأطراف والأشكال غير أن الأمم المتحدة، من خلال وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر ممثل الأمين العام المكلف بنزاع الصحراء، ظلت متمسكة بخيار «استقلال موسع (للإقليم) مع ارتباط بالمغرب في المجال الخارجي والعملة والعلم».
وقد جاءت المبادرة المغربية التي أعلنت مؤخرا حول حكم ذاتي موسع للصحراء لتسير في هذا الاتجاه، غير أن الطرف الآخر (جبهة البوليساريو) قابل هذه المبادرة بالرفض، وان كانت «الجبهة» أعلنت الأحد الماضي أنها «على استعداد تام لبدء مفاوضات مباشرة مع المغرب تحت إشراف الأمم المتحدة للسماح للشعب الصحراوي بتقرير مصيره».
وقد يبدو عبثيا كل هذا النزاع طويل الأمد حول منطقة صحراوية قليلة السكان والموارد، لكن الصحراء الغربية كانت على الدوام حاضرة في تاريخ المغرب العربي وفي الجغرافيا المغاربية. فمساحتها البالغة 288 ألف كم2 تقع في موقع استراتيجي مهم في المثلث الحدودي بين موريتانيا والمغرب والجزائر وتمتد شواطئها على المحيط الأطلسي في واحدة من أكثر مناطق العالم غنى بالثروة السمكية، إضافة إلى وجود كميات معتبرة من الفوسفات والمعادن الأخرى، بينما لا يتجاوز عدد سكانها نحو 260 ألف نسمة (حسب تقديرات غير مؤكدة لعام 2003)، وقد يكونون أقل من ذلك.
أما تاريخيا فقد كان للصحراء دور مهم منذ عبرها المرابطون في القرن الحادي عشر الميلادي إلى الأندلس مرورا بالمغرب. وعندما احتلها الإسبان قاد العلامة الشيخ ماء العينين وفودا صحراوية إلى المغرب عام 1906 طلبا للدعم في دفع الاستعمار الأوروبي.
وبعد أن بسط الفرنسيون حمايتهم الاستعمارية على المغرب عام 1912 قام الشيخ احمد الهيبة نجل الشيخ ماء العينين بدخول مراكش في جيش كبير، معلنا نفسه سلطانا ورافضاً للحماية الفرنسية. وفي ظل هذا الترابط التاريخي والجغرافي، فان أي حل أحادي للأزمة الصحراوية غير ممكن وإن تحقق، لأي ظرف طارئ، فلن يكون قابلا للبقاء والاستمرار. لكن العناد المفرط ليس في مصلحة أي طرف ولن يكون حلا على أي حال.
الحل العقلاني الوحيد الممكن لا بد أن يكون توافقيا في إطار المبادرات الدولية والاستغلال الايجابي الواعي للاهتمام الدولي الراهن بهذه القضية، قبل أن تتجاوزها الأحداث والأزمات المتسارعة لتبقى غصة في حلوق الشعوب المغاربية وعقبة أمام تقدمها واستقرارها. ويبقى الأمل في أن تتغلب الحكمة المغاربية والمصالح المصيرية المشتركة على هذا الداء العضال الذي طال أمده، للخروج من هذه المتاهة الصحراوية اللامتناهية والوصول إلى حل نهائي يرضي الجميع ويحقق الأمل المغاربي المنشود.