دولة الإمارات العربية المتحدة ، هي دولة ولدت قبل تاريخ تأسيسها وولادتها بكثير والمتتبع لمرحلة تأسيس هذه الدولة ومراحل تطورها ونموها وتسلسل الأحداث فيها سوف يجد بوضوح أنها خطت خطوات كبيرة جداً بل كان لها قفزات كبيرة ونوعيه وفي كافة المجالات بحيث أصبح معها صعوبة حصر الأحداث في فترة زمنية معينة لكثرة تلك الأحداث والإنجازات في مختلف إمارات الدولة مما نقلها من مرحلة إلى أخرى بسرعة كبيرة مع حرص قيادة الدولة على تنظيم هذه الخطوات ودراستها بعناية قبل إطلاقها وتطبيقها ليكون مسار تطبيق الخطط مساراً صحيحاً.

وهكذا أخذت دولة الإمارات العربية المتحدة تسابق الزمن ، وتنهض بنفسها لتثبت للعالم أنها دولة نموذجية بمعنى الكلمة بعيداً عن النظريات التقليدية التي كان يحكم بها على الأنظمة السياسية للدول ، حيث أن هذه الدولة إختطت طريقها وفق نظريتها الخاصة التي تناسب واقعها وأهلها ومنطقتها وبتوازن تام حتى أصبحت هذه الدولة من حيث التطور والنمو والمراحل التي وصلتها والإنجازات التي حققتها والمستوى المعيشي لشعبها والإنتاج الصناعي والرقي الاقتصادي والخبرة المتولدة لديها في مصاف الدول الكبيرة التي لها تاريخ عريق وطويل يمتد إلى أربعمائة سنة أو ألف سنة حتى.

ولا نريد في هذا المقال المقارنة بين ما وصلت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة من نمو واكتساب خبرة وكم هائل من الإنجازات مع دول سبقتها في الولادة والنشوء بألف سنه ولكننا نريد توضيح الفكرة هنا ، لذلك يمكن القول أن دولة الإمارات العربية المتحدة سبقت تاريخها ، وأبهرت المتتبعين والباحثين لما وصلت إليه من مستوى راق ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على المستوى العالمي .

وعلى هذا تفخر هذه الدولة بإنجازاتها الكبيرة والكثيرة وما اكتسبته من خبرة في كافة المجالات خلال سنوات قليلة والتي نقلتها إلى مصاف دول كبيرة باقتصادياتها وقوتها كدول وكذلك بدأت هذه الدولة تصدر خبراتها إلى دول أخرى سبقتها بالتاريخ سنين عدة بل قرون عدة . ولعل السائل يسأل كيف استطاعت هذه الدولة الوصول إلى ما وصلت إليه ، وللجواب على هذا السؤال قد يحتاج إلى مؤلفات وكتب وموسوعات ، وحيث أن هذا الجواب لا يمكن إدراجه في هذا المقال إلا أنه يمكن تلخيصه بكلمات .

وهي أن هناك رجالاً عاهدوا الله أن يكونوا أوفياء لشعبهم ودولتهم ويتحملوا المسؤولية مع وجود رؤية واضحة ونية صافيه في البناء والتقدم والسير بالدولة والشعب نحو العلا من أجل الأفضل والأحسن دائماً مع وجود الإرادة القوية في تحقيق الأهداف وعدم الرضا بالوقوف في محطة واحدة ذلك لأن الحياة لا تتوقف عند محطة بل لديها محطات لا تعد ولا تحصى لأنها مستمرة فيستمر معها الإنتقال من محطة إلى أخرى أفضل منها وأعلى مرتبة منها وهكذا كانت الغاية والهدف وهكذا كانت الرؤية والإرادة وهكذا وجد الرجال الشرفاء لبناء هذه الدولة وهكذا كان الأبناء أوفياء لآبائهم البناة الأوائل وساروا على نهجهم وهكذا سيكون الأحفاد إن شاء الله.

إذن هكذا كانت المسيرة لدولة سبقت زمانها وزمان غيرها واستطاع رجالها الأوائل وعلى رأسهم حكيم الأمة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أن يضعوا اللبنة الأولى في بناء هذه الدولة وتأسيسها تأسيساً صحيحاً مبني على الوضوح في الرؤية والإرادة الجادة الحقيقية المؤمنة باتحاد الإمارات وشعبها وهكذا كانت البداية والذي نريد الوصول إليه هو قول الحقيقة وهي أن نموذج الإتحاد الذي إختطته دولة الإمارات العربية المتحدة والأسس التي قام عليها هذا الإتحاد قد حقق نجاحاً منقطع النظير .

ولا يمكن للصديق أو العدو أو الحاسد أن ينكره بأي صورة كانت لأن ما تحقق من أهداف على مختلف مستويات الدولة إنما هو واضح وضوح الشمس التي لا يحجب أشعتها الغربال مما يمكن معها إعطاء شهادة تميز هذه الدولة عن بقية الدول التي يجب أن تقتدي بدولة الإمارات العربية المتحدة والسبب الرئيسي في التمييز ليس لأنها حققت الإنجازات الكبيرة والعملاقة والنجاحات الأخرى فقط وإنما لأنها حققت المفهوم الفكري الصحيح للوحدة في الأرض والشعب والمصير الواحد.

ولعل أصحاب الفكر القومي والمؤيدين للوحدة العربية يتفقون مع هذا المقال ومضمونه أن دولة الإمارات العربية المتحدة نجحت كدولة بكل المقاييس ونجحت كدولة إتحادية بمقاييس نموذجية مما يؤهلها أن تكون نموذجا يقتدى بها ويمكن الاستفادة من تجربتها الاتحادية هذه وتعميمها على الدول العربية ، ذلك أن الوحدة العربية لا يمكن تحقيقها من خلال إزالة الأنظمة التي تحكم في كل دولة .

كما أنه لا يمكن تطبيق الوحدة من خلال القوة وكذا الحال لا يمكن تطبيقها من خلال أحزاب متناقضة ومتفاوتة في الأفكار ومتضاربة مع بعضها وعلى الرغم من كل ذلك فليس معنى ذلك بأنه لا يمكن تحقيق الوحدة العربية لأن هناك من العناصر المشجعة على قيام هذه الوحدة ولكن الخلل سيكون في نوعية النظام الحاكم لهذه الوحدة ، بمعنى أن الأنظمة العربية مختلفة المذاهب فهناك الملكي والجمهوري والأميري إلا أن الشيء المشجع في هذا الموضوع أن الوحدة العربية متحققة أساساً ولو بشكل غير رسمي من خلال وحدة الشعب العربي .

وما تربطه من روابط وثيقة وأن هذه الوحدة يجب أن تؤطر بأطر رسمية من خلال آلية محددة تتحقق معها الوحدة بين الدول العربية مما يعود على الجميع بالفائدة والخير من خلال التعامل الإقتصادي على سبيل المثال واستثمار الأيدي العاملة والأراضي الشاسعة والبحار والأنهار وغيرها من العناصر التي لو أتحدت لاختلف الأمر نحو الأحسن والأفضل بالنسبة للدول العربية حكومات وشعوباً.

كما هو الحال في نموذج تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة التي تستأهل السير على خطاها من أجل إتحاد أكبر وأوسع يسير بنفس الأسس التي سارت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي ستكون بالتالي مرضية للشعب العربي أولاً وللأنظمة التي تحكم الدول العربية مع وجود ضمانة كبيرة بالنجاح الوحدوي وفق الصورة المرئية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وليس بعيب على الدول العربية التسليم والأخذ بهذه التجربة بل هو فخر واعتزاز أن يكون جزء من الأمة العربية قد حقق نجاحا كبيرا ويجب على كل شريف أن يستثمر هذا النجاح بالتعميم على كل المنطقة والدول العربية للإستفادة منها.

كلية القانون ـ جامعة الشارقة

rashid.shabib@binshabib.ae