بعد هزيمة حرب 1973م بين العرب وإسرائيل تشكلت لجنة "إجرانات" لتصدر تقريرها الكبير عن التقصير وكيف أن الاستخبارات قدمت معلومات باستحالة هجوم عسكري عربي بعد هزيمة 1967واعتباره مغامرة، لكن الصدمة كانت كبيرة، أطاحت برؤوس وجلبت أخرى نتيجة ذلك الفشل الذريع..

يتكرر المشهد الآن بعد الحرب الأخيرة على لبنان بتقرير آخر للجنة "فينوجراد" التي رأت بها تسيّباً وقلة خبرة من أركان الدولة والجيش، والاستخبارات، وقبل ذلك كانت محاكمة مجازر صبرا وشاتيلا حين أثارت الرأي العام العالمي، وتحولت القضية من جريمة إسرائيلية إلى فعل تتعلق مسؤولياته على حزب الكتائب، لكن ذلك لم يمنع أن تحاسب شخصيات بارزة تسببت في تلك الفضيحة..

إسرائيل لم تظهر أسفها لما جرى، أو تكفيراً عن ذنب رأته يتجاوز سلوكها وأخلاقيات ساستها وجنرلاتها، وإنما كيف تم الفشل، ومن تسبب في التخطيط لمعارك سجلت انتصاراً لعدو لا تسمح الأدبيات الإسرائيلية أن يكسب أي جولة، لكن المضمون الأهم أن إسرائيل تجعل قانون المحاسبة فوق مسميات البطولات، وما حققه الأشخاص والرموز الأخرى، وهنا جاء الحساب متوافقاً مع أهداف دولة تنظر للفشل على أنه عقوبة اجتماعية وسياسية، وانعكاس سلبي على روح المواطن الإسرائيلي الذي ظل على اعتقاده أن قوته العسكرية، وعيون استخباراته، وكفاءة العاملين في ميادين الأمن على درجة عالية تنازع أي قوة عالمية أخرى..

الرمز هنا يتصل بسلوك دولة لا تخفي تنفيذ أهدافها بأي وسيلة حتى لو تعارضت مع القوانين الأخرى طالما كانت تحقق لها مكسباً وطنياً، ورقماً في سجلها التاريخي للانتصار على العرب، لكن الميزة الأهم أن المكاشفة تبقى جزءاً من هدف لا يُسمح بتجاوزه بالتغطية على أخطاء استراتيجية كبرى..

نحن في حروبنا وأخطاء ساستنا، وجرائم شرطتنا وبوليسنا، نراها جزءاً من أسرار خاصة لا يجوز نشرها ليستفيد منها العدو، وهذا المبرر غير المسؤول هو الذي جعل اتخاذ القرارات بالحروب والهزائم التي نعطيها مبررات نكسة، أو تآمر خارجي مرهوناً بمزاج شخص أو عدة أسماء تسببت في نكبات شعوب، وجلبت عاراً تاريخياً، ومع ذلك لم نجد من يكشف الحقائق، إلا من خلال سجلات استخبارات أجنبية، أو شخصية معارضة تتحكم في معلوماتها عواطفها وثاراتها، وبانعدام الحقيقة والمحاسبة صار المأزق أكبر من هزيمة لجيش وقوات خاسرة ومحبطة، وإنما لأمة كبيرة شعرت أنها فقدت احترامها بين الشعوب، ولذلك يستحيل تشكيل لجنة عربية تحاسب تقصير حروبنا، وأسباب تخلفنا التقني والاقتصادي، واستمرار الفساد في المؤسسات الحكومية والأهلية، حتى إن مجموع ما صرف على الجيوش يوازي ميزانيات البناء الشامل في الصناعة والزراعة والطب وغيرها..

الأزمة الأخلاقية في النظم العربية أن الوطن يأتي في الترتيب الأخير، وحتى الذين نادوا ب"المستبد العادل" و"النظم الثورية"، والإصلاحية، عجزت أن توجد قضاءً مستقلاً يحاسب المنزلقات الكبرى في هزائم الجيوش، وتفكيك المجتمعات وبناء السلطة على مزاج شخص تنتخبه الأكثرية الشعبية بتسعة تسعين وتسعة من عشرة، وكأننا لا نفهم من الأرقام إلا هذه المعادلة الكاذبة..