كانت ومازالت.. شعوب دول الخليج تتطلع إلى مشاريع حقيقية تحقق آمال هذه الشعوب وطموحاتها، حتى يصبح ابن كل دولة من هذه الدول هو ابن الخليج وليس ابن دولته فحسب. وعلى الرغم من أن تطلعات هذه الشعوب تصطدم بمعوقات خارجة عن إرادتها تعود إلى أسباب سياسية واقتصادية لا سلطان لنا بها كشعوب، إلا إننا نشعر في بعض الأحيان أن من بين هذه الشعوب أفراد يساهمون بشكل أو بآخر في إعاقة هذه الطموحات دون أن يدركوا ذلك ،ودون أن يتبادر إلى أذهانهم أنهم يفسدون علينا كشعوب لذة تحقق أحلاماً طالما انتظرناها.
مناسبة حديثنا هذا مقال للكاتبة عبير إبراهيم في صحيفة «الوسط» البحرينية، كان قد نشر منذ يومين. إذ انتقدت الكاتبة إعلان وزير العمل البحريني عن استعداد الإمارات لتوظيف بحرينيين براتب لا يقل عن خمسمئة دينار بحريني. وقد تساءلت الكاتبة عن الغرض من تهجير العقول البحرينية واستبدالها بعقول أخرى مستوردة، والأكثر أنها اعتبرت ذلك «فخاً» فحذرت منه وقالت للبحرينيين: «ارفضوا الدعوة».
لا نأخذ على كاتبتنا العزيزة مأخذاً يمس وطنيتها الغالية التي لمسناها في مقالها، إذ إنها كمواطنة بحرينية لها الحق في أن توجه خطابها لمملكتها لتستثمر في أبنائها قبل حثهم على العمل في دولة أخرى.
ولا ننكر على الكاتبة حديثها عن واقع البطالة في مملكة البحرين بحرقة، أو في رغبتها في أن يعيش أبناء جلدتها في دولتهم أو غربتهم في وضع يؤمن مستقبلهم وحياتهم وحياة أسرهم. لكننا نرفض تصوير عرض الإمارات على أنه «مزاد» فُتح على مواطني البحرين الشقيقة بخمسمئة دينار بحريني، نرفض وصف «تبادل الخبرات بيننا وبين هذه الدولة الشقيقة بأنه سوق لبيع الرقيق، تشتري فيه الإمارات «مواطنة» البحرينيين و«عقولهم» بثمن بخس لا يتعدى راتب فراش في مدارس الإمارات على حد قول الكاتبة.
إن من حق الكاتبة وغيرها من مسؤولي مملكة البحرين عدم القبول براتب لا يؤمن حياة مستقرة لبحريني يترك وطنه للعمل في مكان آخر، حاله كحال أي فرد ومن أي جنسية لا يتخذ قراراً كهذا إلا بعد تفكير عميق يتدبر كل نتائجه، لكن لا يحق لأحد أن يتصور دولة كالإمارات بهذه الصورة، بينما هي تسعى للتعامل مع الجميع بأخوة سامية، واحترام كبير يجعلها تسمو على وصفها بمن يشتري رقيقاً.
لقد أسعدتنا وزارة العمل البحرينية والإماراتية بمشروع الشراكة الاقتصادية الذي يسعى لتبادل الخبرات والاستثمار في العناصر البشرية الخليجية بدل الاعتماد على تلك الخبرات التي لا تنتمي لهوية مجتمعاتنا، والتي مهما اندمجنا معها فإننا نصل إلى درجة كبيرة من الغربة الاجتماعية التي لا نملك كسر طوقها الذي يقيدنا. أعتب على هذه الكاتبة، وعلى غيرها من الكتاب والمثقفين الذين ينظرون إلى هذا النوع من المبادرات على أنه هجرة.
في حين لو أننا نظرنا إلى واقع المسافة التي نقطعها بين البلدين، لوجدناها لا تتعدى الخمس والأربعين دقيقة، فهل نسمي ذلك هجرة؟ هل نعتبر البحريني أو السعودي أو القطري أوالعماني غريباً في الإمارات، وهو يعيش بين أهل تربطه بهم علاقة جوار ونسب وعادات وتقاليد واحدة؟
ألم تنظر الكاتبة إلى أن الاتفاق نص على ألا يقل الراتب عن 500 دينار بحريني، مما يعني أن كل ذي حق سيأخذ حقه دون نقص أو «شفقة» تترفع دولة الإمارات عن أن تجعلها من أسباب دعوتها أبناء مملكة البحرين للعمل فيها، ما الذي سيضير دول الخليج فيما لو استعانت بأبناء أشقائها للاستفادة من مهاراتهم وكفاءاتهم؟ ما الذي سيجنيه البحريني أو الإماراتي، وغيرهما من البطالة وهم يرفضون عروض عمل في دولة شقيقة؟ تساؤلات كثيرة نطرحها على من تدعو إلى رفض دعوتنا.. نناقشها معكم غداً بإذن الله.