هناك بديهيات يحاول البعض أن يلغيها، ألا يعترف بقوة فاعليتها في سير الأمور وتطور الأحداث، وأكثر من إلغائها وعدم الاعتراف بها يحاول هذا البعض أن يخترع قوانينه الخاصة وبديهياته الشخصية ـ غير الصحيحة طبعاً ـ وأن يفرضها بقوة ماله، أو نفوذه، أو علاقاته الواسعة أو مكانته الاجتماعية أو منصبه. والمصيبة حين يفرض صاحب المنصب قوانينه الخاصة في العمل وعلى الموظفين معه والعاملين تحت مسؤوليته.
هناك بديهيات منطقية لايمكن رفضها أو مناقشتها، على سبيل المثال لاشيء ينمو من تلقاء نفسه بمعزل عن المحيط الذي يغذيه، ولايمكن لمؤسسة أن تنهض على أكتاف أشخاص حريصين وأذكياء ومجتهدين جداً، كما أنه من غير المعقول أن يبذل الشخص كامل طاقته وجهده دون مقابل، وهناك بديهية أخرى في العالم النامي تحديداً مفادها أن فشل التجارب التنموية يعود للقائمين عليها أولاً، وتتحملها المجتمعات ثانياً من عمر تقدمها!
لنناقش هذه الظاهرة، في بعض مؤسساتنا الإعلامية في الدولة يتطور الشكل ويبقى المضمون «محلك سر» يذهب أشخاص ويأتي آخرون، يختفي مدير ويبزغ نجم مدير آخر، الذي ذهب تسبب في «بلاوي» للمؤسسة، والذي جاء لايضيف جديداً في التاريخ ( أقصد التاريخ الإعلامي) ومع ذلك لا أحد يعترف بفشل التجربة أو تعثرها ومحاولة وضع الإصبع على الجرح، أولاً للوصول إلى الهدف الحقيقي من وراء التغيير ولاختصار الجهد والمال والوقت المهدور. هذا إذا سلمنا بأن القصد من التغيير هو التقدم والبناء للمستقبل وليس مجرد تغيير وجوه قديمة وإعطاء فرصة لوجوه جديدة من أجل الوصول لما يعرف بـ «نيولوك» ظاهرية للمؤسسة!
في مؤسساتنا كلها وفي إعلامنا تحديداً، إذا نجح شخص تضافر الجميع لكسر نجاحه، واعتبر العدو رقم واحد للمؤسسة، لا أقصد صغار الموظفين والمستضعفين، المقصودون معروفون بالضبط، ومنذ اليوم الأول لبروز دلائل نجاحه أو تميزه أو تفوقه أو تحيته من قبل شخصية ذات شأن أو فوزه بجائزة مثلاً، أو تكريمه من قبل جهة معينة، تبدأ الاجتماعات المغلقة للنيل منه ومن نجاحه، وتبدأ تكتلات توجيه الكلمات والضربات القاتلة، وكأنه ارتكب جرم الخيانة العظمى ضد المؤسسة. لماذا؟ سؤال يبقى مجهول الإجابة، معلوم النتائج، وضحاياه كثيرون في كل المؤسسات!.
ونعود لنقطة البدء، فكما أنه لاشيء ينمو من تلقاء ذاته، وبأن هناك بديهيات وقوانين تحكم سير التطور والنجاح والتاريخ كله، فإن المؤسسات لن تنجح ولن تتطور وتنمو إلا بهؤلاء المتميزين الناجحين الذين يجب على المؤسسة التي يعملون فيها أن توظف نجاحهم وأن تزيد منه وتبني عليه، لا أن تحاربه وتحطمه وتلغيه، ذهنية محاربة الناجح إذا استمرت على ما هي عليه فإننا سنبقى نحلم بتطوير أجهزتنا الإعلامية تحديداً دون أن نلامس هذا النجاح على أرض الواقع، وإذا ما استمرت سياسة التكتل ضد المتميز ومع صاحب الكرسي وصاحب المنصب سواء كان على صواب أو على خطأ، فالحلم سيتباعد أكثر وأكثر.
الإعلام ليس «سوبرماركت» أو شركة خاصة محكومة فقط بقانون العرض والطلب، الإعلام نشاط إنساني محكوم بالحرية والإبداع وذهنية الفريق، أما الحروب الخفية وعصابات سرقة الأفكار والطموح فهذه مكانها أي «سوبر ماركت» ولكن ليس المؤسسات الإعلامية!