أخيراً نطق كاتم الأسرار بعد أن خرج عن صمته، ووضع النقاط على الحروف، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي ايه» جورج تينيت، كشف في كتابه الذي وصل إلى رفوف المكتبات اليوم؛ أن نائب الرئيس تشيني خطط للحرب على العراق فور توليه لمنصبه عام 2000، أشهر قبل وقوع عملية 11/9 الإرهابية، ولترجمة هذا التخطيط عمل تشيني، كما يقول المدير في مؤلفه «في عين العاصفة»، على إبعاد الاستخبارات عن قرار الحرب؛ لئلا تخرّب عليه بما لديها من معلومات لا تتفق مع المزاعم التي جرت فبركتها والتي وصفها تينيت بأنها «أشبه بالقمامة»، لا قيمة لها ولا صحة.
كما يحتوي الكتاب على معلومات وتفاصيل عن مرحلة التحضير للحرب، التي شارك فيها وولفويتز ودوغلاس فايث، من وزارة الدفاع ـ كلاهما استقال أو أقيل من منصبه ـ وحتى الوزيرة رايس طالتها انتقادات تينيت مع نائبها هادلي ـ وهو اليوم مستشار الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي ـ لأن كليهما ،كما يقول، تجاهل تحذيراته بخصوص التلفيقات التي نسجها فريق المحافظين الجدد مع نائب الرئيس؛ لتسويغ الحرب وتسويق مزاعمها.
وإذا كان الكتاب قد كشف الغطاء عن أدوار كل الذين ساهموا، من فريق الإدارة، في افتعال الترويج للحرب؛ إلا أنه سلّط الضوء بقوة على الدور القيادي البارز، الذي نهض به نائب الرئيس في غزو العراق.
ويفصح المسؤول الاستخباراتي الأول، السابق، بأن إدارة الرئيس بوش حجبت عن الوكالة «قرارات مهمة في خطة الحرب»، وفي ذات الوقت «صرفت النظر عن تحذيراتها من وقوع فوضى واحتمال تفكك العراق»، وفي رأي تينيت أن الحرب لم تكن بسبب سلاح الدمار الذي تردد أن العراق يمتلكه؛ بل كانت نتيجة أيديولوجيا المحافظين الجدد وإصرارهم على الإطاحة بالنظام العراقي، بحيث «يكون ذلك نقطة تحول في منطقة الشرق الأوسط».
مثل هذا الكلام تردد كثيراً في السنوات التي أعقبت الحرب، بذاته لا يحتوي على جديد، إلا أن أهميته أنه يأتي مباشرة من النبع، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ليس موظفاً أو مسؤولاً عادياً، برتبة عالية، فهو أحد أركان مطبخ القرار الأميركي؛ بحكم كونه أحد أعضاء مجلس الأمن القومي ـ مع الرئيس ونائبه ووزراء الخارجية والدفاع والمال ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي .
كما بحكم أنه العارف الأول بأسرار الأمن القومي والاستراتيجي للولايات المتحدة، كما أنه يحمل في جعبته معلومات نادرة عن الساحات الخارجية. خاصة التي تهم واشنطن ومصالحها العليا، وهو يأتي اليوم ليقول بأن نصائحه قد تم استبعادها؛ كما تم استبعاده عن قرارات كان من المفترض أن يؤخذ رأيه فيها بعين الاعتبار.
عادة يغادر مدير هذه الوكالة منصبه ويأخذ معه كثيراً من الأسرار إلى صندوق الكتمان، نادراً ما يُفصح عنها قبل مرور وقت مديد، جورج تينيت بكتابه الصادر بعد 3 سنوات من مغادرته لموقعه، يبدو أنه محاولة رد اعتبار، الرجل جرى تحميله أوزار جزء من قرار الحرب، بزعم أنه أعطى معلومات تصب في تعزيزها، تشيني قال مرة إن هذه المعلومات كانت الأساس في قرار الحرب، مصادر الإدارة رددت أكثر من مرة بأن «تينيت ووكالته وضعانا في هذه الفوضى»، لكن في ما أفشاه أكثر من رد اعتبار، فيه محاكمة للحرب على العراق وللفريق الذي أشرف على هندستها، وهو بذلك لم يتسبب بصدمة لإدارة بوش فحسب، بل وضعها في موقع المطلوب منه الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه، وهو موقع طالما رفضت قبوله، لكن ماذا عساها بفاعلة الآن، وقد شهد عليها شاهد من أهلها؟