إن قيام الحضارات البشرية على سطح الأرض كان مقترناً بوجود وتوفر مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الحضارة من أجل ضمان استمرارها وبقاء شعوبها. والحضارات في القدم كانت تسعى بالدرجة الأولى إلى الحصول على أهم موارد الطاقة آنذاك والذي يتمثل في «الماء».
فحضارة بلاد الرافدين القديمة نشأت وقامت على ضفاف نهري دجلة والفرات. كذلك الأمر كان في قيام الحضارة الفرعونية التي كانت معتمدةً في الأساس على مياه نهر النيل فكما يقال: (مصر هبة النيل) وهذا دليل على أهمية مورد الطاقة لقيام أي حضارة إنسانية.
وليس هذا فحسب بل إن قوة الحضارات والدول القديمة كانت تقاس بسيطرتها على موارد الطاقة التي تساهم بدرجةٍ كبيرة في مسألة توفير الأمن وتحقيق القوة. ففي غابر الأزمان كانت السيطرة على موارد الطاقة عاملاً مهماً في تحديد القوة والوزن السياسي للدولة والممالك القديمة، وإلى الآن وبالرغم من طفرة التطور العلمي المذهل والتقدم الصناعي الهائل ما زالت قضية امتلاك الطاقة والسيطرة على مواردها من أهم العوامل المحددة لقوة الدولة والمعززة لمكانتها في مسرح العلاقات الدولية بل إن الدول تسعى حثيثاً ولا تدخر أي جهد من أجل امتلاكها.
وفي العصر الحديث لم يعد الماء هو المصدر الأهم للطاقة بالرغم من أنه يقع في أول سلم الأولويات البشرية، بل إن الثورة العلمية ساهمت في اكتشاف النفط، والغاز الطبيعي، والطاقة النووية، وغيرها من موارد الطاقة المتنوعة التي باتت اليوم تشكل عنصراً مهماً من عناصر الحياة الإنسانية التي لا يمكن الاستغناء عنها. فهذه الموارد المتنوعة للطاقة أصبحت اليوم ذات صلة وثيقة بعدة جوانب إنسانية أهمها الجانب السياسي والاقتصادي وهذا بالطبع لا يقلل من أهمية جوانب أخرى مثل: الجانب الاجتماعي والثقافي فهي لها بالغ الأثر في تحول وتطور المجتمعات (المجتمعات الخليجية مثلاً) ولها آثار إيجابية وسلبية على الفرد.
كما تشكل المناطق التي تنعم بوفرة في موارد الطاقة محل جذب لأنظار دول وقوى عظمى تتهافت عليها راغبةً في القوة والسيطرة عن طريق امتلاكها موارد الطاقة في العالم. وتفكير الدول بهذه الطريقة يجعلنا نعتقد أنه ليس من المستبعد احتمال نشوب صراع عالمي بين الدول على موارد الطاقة وهذا أمرٌ وارد. فالطاقة بمختلف أنواعها تختلف في أماكن تواجدها وتتباين في تمركزها في الأرض من مكانٍ إلى آخر حسب التوزيع الجغرافي، فهي كثيفة في منطقة معينة وقليلة في مناطق أخرى.
والطاقة بطبيعتها تعتبر مواردها محدودة وانتشارها ليس بالواسع على سطح الأرض، وكذلك عدد الدول التي يدور الصراع بينها حول امتلاك الطاقة كبير، وطلب الاستهلاك العالمي يزيد يومياً، والدول تتلاقى رغباتها مع نظيراتها وتتقاطع المصالح الدولية مع الأخرى مما يشكل بيئة تنافسية مولدة للصراع على الطاقة وغالباً ما تكون النتيجة حينها حاسمةً للأقوى.
كذلك إن قضية شح موارد الطاقة بالغة الأهمية والخطورة فهي تساهم في تكوين الصراع العالمي بين الدول حول امتلاك الطاقة والسعي وراء امتلاكها هو بالأساس قضية أمنية تدخل ضمن رموز المعادلة الصفرية بالنسبة للدول، بمعنى إنه إذا كان هناك طرفان متصارعان حول مورد طاقة معين فإن مكاسب الطرف الأول تكون رهناً بخسائر الطرف الثاني، حيث إن كل خسارة لطرفٍ ما هي مكسب للطرف الآخر وهذا ما ينطبق بصورةٍ واضحة على قضية تصارع الدول على موارد الطاقة المائية مثلاً فندرة عنصر الماء يمثل عاملاً أساسياً لتحرك الدول وقيامها بتبني سياسات معينة ذات بعد استراتيجي من أجل السيطرة على هذا المورد الهام ومحاولة تسخيره لزيادة قوة الدولة.
فالدول أو القوى العظمى حينما تسعى إلى امتلاك موارد الطاقة المهمة عالمياً تكون راغبة في تحقيق عدة أمور أهمها: (1) إن امتلاك موارد الطاقة يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد القومي للدولة الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز نفوذها كدولة ذات قوة سياسية واقتصادية لها حضور فعّال على خشبة مسرح النظام الدولي الأمر الذي يضمن كذلك تعاظم دورها في تسيير الشؤون العالمية. (2) بامتلاك الطاقة تحصل الدولة على مزايا سياسية واقتصادية أهمها ميزة توفير الأمن والذي يأتي معه الاستقرار السياسي الذي يعتبر الركيزة الأساسية للتنمية السياسية والاقتصادية في الدولة.
لا تكمن أهمية سعي الدول وراء هبة الطاقة لهذه الأسباب التي تم ذكرها فقط، بل إنها باتت اليوم تحتل مرتبة هامة جداً في الأجندة المختلفة الدولية السياسية منها والاقتصادية والتنموية. وذلك لأن موضوع الطاقة ليس موضوعاً يختص بحاضر الدول بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك فمسألة السيطرة على الطاقة يعد من أهم مشاريع الأمن المستقبلي لأي دولة في العالم. وقضية الطاقة اليوم هي من أهم القضايا التي تثار في العلاقات الدولية سواء أكانت سياسية أم اقتصادية، وكما يتوقع الخبراء فإن الطاقة هو الموضوع الذي سيهيمن على النقاش السياسي المستقبلي للدول فيما بينها.
إن امتلاك الدولة موارد الطاقة لا يكفل بالضرورة منحها القوة والميزة الاقتصادية وذلك لأن وجود الموارد يتطلب وجود سياسات جيدة لإدارة استخدام هذه الموارد القيمة وتوظيفها التوظيف الصحيح الذي يزيد قوة الدولة بشكلٍ سليم، فالسودان على سبيل المثال لا الحصر توجد ضمن جغرافيته السياسية كثير من موارد الطاقة ذات الأهمية الاستراتيجية، فالموارد متوفرة ولكن القدرة على تسخير هذه الموارد ليست متوفرة وهذا ما يعيق استغلالها بصورة تزيد من قوة الدولة وتدفع بعجلة تنميتها الاقتصادية إلى الأمام.
وبالرغم من أن بعض الدول قد تمكنت من السيطرة على موارد الطاقة إلا إنها وفي الوقت نفسه تعيش هاجساً يثير مخاوفها تجاه ما سوف يحدث لها في المستقبل إذا ما انتهى أو نضبت موارد الطاقة التي تستهلكها، وخطر الإفلاس من الطاقة يستوجب من الدولة أن تقوم بترشيد الاستهلاك، وأن تقوم في الوقت ذاته بالبحث عن مصادر بديلة للطاقة لأن الاستقلال في مجال الطاقة هو أمر مهم جداً لكونه يتعلق بقضية توفير الأمن القومي المستقبلي للدولة.
كذلك فإن امتلاك الدولة لمصادر الطاقة يعطيها ميزة سياسية ذات بعد دفاعي. فعلى سبيل المثال: إيران تستطيع استخدام النفط كورقة سياسية قوية للدفاع عن نفسها في حال وجود أية نية لهجوم عسكري خارجي عليها وهذه القوة تتمثل في أنها قد تسبب أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمي ناهيك عن سيطرتها على جزء مهم من مضيق هرمز الاستراتيجي.
وامتلاك الدولة لموارد الطاقة لا يخدمها بصورةٍ إيجابية دائماً ذلك لأن استهلاك الطاقة يؤدي أيضاً إلى أضرار سلبية تتمثل في تلوث البيئة الأمر الذي يجعل كثيراً من المنظمات الحكومية وغير الحكومية تقوم بالمطالبة بحق حماية البيئة المورد الأهم للحياة. فالأحزاب الخضر (إحدى المنظمات غير الحكومية) في العالم تسعى إلى مطالبة الدول باتخاذ إجراءات تساهم في التخفيف من خطر التلوث البيئي مثل التوجه نحو استخدام الطاقة النظيفة التي تقوم على استغلال المياه والرياح في توليد الطاقة.
ومن كل ما سبق يمكننا أن نخلص إلى أن الطاقة في بعدها السياسي هي من الأمور التي لا يمكن لأي دولةٍ أن تستغني عنها مهما كان الثمن، وسوف تقوم الدول بتقديم كل ما هو نفيس من أجل ضمان تدفق الطاقة إليها، وهذا السعي وراء الطاقة لن يتوقف حتى في المستقبل القريب حتى يتم اكتشاف أنواع جديدة من موارد الطاقة التي تكون فعاّلة وغير ضارة للبيئة. فلا يمكن لنا كبشر أن نمسك الطاقة بيد ونترك البيئة تغرق في خطر التلوث، ففي هذا دمار البشر.
جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com