باريس، نقطة البدء لمسارات تاريخية كبرى في العالم. فيها أشيدت كومونة باريس لاثنين وسبعين يوما فقط، لكنها الحدث الذي قال عن أبطاله كارل ماركس إنهم »اقتحموا السماء«.

ومنها لا تزال تشع أفكارا ومبادئ الثورة الفرنسية. باريس مركز تلاقي وتلاقح الحضارات والثقافات، مصنع وملاذ قادة العالم الثالث.. من أحشاء حياتها السياسية خرج هوشي منه ليقود الحزب الشيوعي والثوريين الفيتناميين إلى نصر أسطوري.. وإليها انتهى مسار حياة الراحل ياسر عرفات، القائد الفذ لأكبر حركة تحرر وطني.

وباريس الحاضر – هي في أورربا مركز مناهضة العولمة الأميركية وسياسة القطب العالمي الأوحد، والدعوة إلى العولمة البديلة وتعددية الأقطاب العالمية. واجتماعيا قال الكاتب الصحافي ويل هاتن إن فرنسا، من بين دول أوروبا، هي التي ترفع قيم التكافل الاجتماعي »إلى مصاف الديانة«.

في هذا البلد ترسخت التقاليد الديمقراطية إلى أبعد مدى. ولأن الأمر كذلك فإنه يصعب التنبؤ بالتالي تطور الانتخابات الحالية. في منتصف ابريل، قبل الانتخابات بأسبوع، عبرت »الأبزيرفر« البريطانية عن القلق من أن فرنسا تتجه نحو اليمين لا محالة. ورأت بأن اليميني ساركوزي والأكثر يمينية، لوبان، سيكونان بطلي الحلبة في الدور الثاني. واستنتجت من ذلك أن التوجه الليبرالي واليساري في فرنسا في ضياع.

ومع ذلك فإن التصويت في الجولة الأولى الذي شهد هذه المرة أكبر مشاركة بلغت 84% ممن يحق لهم التصويت جاء بنتيجة لا تبدد ذلك القلق نهائيا، لكن تضعفه : مرشح اليمين ساركوزي 31.18%، الاشتراكية روايال 25.87%. وحصل فرانسوا بايرو، المرشح »الديمقراطي الوسط« على 18.55% من الأصوات محتلا المرتبة الثالثة. وفي نتيجة هذا الأخير يكمن سر خصوصية الديمقراطية الفرنسية وصعوبة التنبؤ بنتائجها.

بعد إعلان نتائج الجولة الأولى مباشرة أعطت استطلاعات الرأي حول الحظوظ لساركوزي 52 – 54% ولروايال 46 – 48% في الجولة الثانية التي ستجري يوم 6 مايو المقبل استطلاعات لاحقة بينت أن الفارق يتقلص بشكل محسوس: ساركوزي 51، روايال 49%. ومع ذلك فخميرة التفاعلات لا تزال نشطة، وتشير إلى أن جبهة ساركوزي أقل تماسكا من مقابلتها.

من سيحسم النتيجة هم 17% من الناخبين الذين لم يقولوا موقفهم النهائي بعد، زائد النسبة المذكورة لبايرو ( 18.55%)، الذي يرفض لحد الآن التعاون مع أي من المتنافسين، ووعد ناخبيه بأنه يعزم تأسيس حزب ديمقراطي كبير سيدفع بمرشحيه للانتخابات النيابية في يونيه القادم. ويرى البعض أن لدى الحزب المزمع قدرة كامنة جدية يعتد بها. لكنه لم يعط أية تعليمات لأنصاره بنصرة ساركوزي أو روايال.

وهو ينتقد الأول من جهة اليسار : لفرط ليبراليته الاقتصادية، والثانية من جهة اليمين: لخططها الداعية إلى تدخل أكثر من اللازم من قبل الدولة في الاقتصاد. لكن روايال، الأكثر شعورا برضا أوسع الفئات الاجتماعية، عرضت على بايرو مناظرة تلفزيونية، بينما لم يقترح ذلك ساركوزي.

فهي واثقة أنها تستطيع تقديم حلول أفضل لما يراه بايرو من أزمة عميقة تمر بها فرنسا تشمل الاقتصاد والمجال الاجتماعي، وتترافق بأزمة في السلطة وخروقات في التطبيق الديمقراطي، ومعاناة عدد من شرائح المجتمع من وضع مالي صعب، وما تعاني البلاد من مشاكل عرقية ومن صراعات بين ممثلي مختلف الفئات الاجتماعية.

وحول رؤيته بأن أكبر مشكلة في فرنسا هي في عدم تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ. والجو العام في داخل جماعة الديمقراطيين – الوسط، حسب الاستطلاعات، أن 25% فقط منهم سيعطون أصواتهم لساركوزي، بينما ستحصل روايال على 46% من هذه الأصوات. لكن 20% منهم لم يقرروا بعد.

هذا الوضع الحرج للغاية يجعل الفرنسيين والأميركيين والروس خصوصا، والعالم الثالث، والعالم كله بشكل عام يتابعون تطورات المعركة الانتخابية بقلق بالغ، لكن لكل قلقه الخاص من زاوية مصالحه.

في داخل فرنسا المثقفون بشكل خاص قلقون من حدة أطروحات ساركوزي فيما يتعلق بقضايا التعايش الوطني – الثقافي. وبتقدير علماء الاجتماع فإن ثلث الفرنسيين يخشون انتصار هذا المرشح. وتتهم روايال خصمها بأنه حين يدعو إلى خفض الضرائب وزيادة الضغوط فإنه يدعو إلى »قانون الأقوى« الذي يجعل المجتمع أكثر قسوة.

أما فكرتها »فرنسا المحبة« فتقول بأن الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية والأجور يجب أن يرتفعا، وأنه يجب أن تفرض الغرامات على المؤسسات التي تنقل فرص العمل إلى خارج فرنسا، كما تدعو إلى نظام جديد للحماية ضد البطالة. أي أن روايال تدعو إلى حماية الفرنسيين من العولمة.

هذه الدعوة تربط بوثوق بين المسألة الوطنية والعالمية. ورغم درجة شخصنة الانتخابات الفرنسية، إلا أنه، حسب Die Welt الألمانية، من المفهوم أن الحديث سيجري أكثر عن مكانة فرنسا العالمية. بينما يسعى ساركوزي إلى جعل فرنسا أكثر استعدادا للقبول بشروط العولمة ويطلب من مواطنيه عملا أكبر ومسؤولية واستعدادا ذاتيين للمخاطرة.

والأميركيون ينتظرون أن يصل إلى قصر الإليزيه صديقهم ساركوزي الذي زارهم قبل الانتخابات وقال للرئيس بوش بأنه كان ضد رأي رئيسه شيراك حول الحرب الأميركية في العراق. أما روايال فقالت لصحيفة Corriere della Sera الإيطالية لن أعتذر أبدا، كما اعتذر ساركوزي أمام الرئيس بوش مقابل رفض فرنسا إرسال قوات إلى العراق.

ليست لأوروبا أية مصلحة في الانضمام إلى المواقف الأميركية. بالعكس، أوروبا وفرنسا تريدان ضمان قيام عالم متعدد الأقطاب. وروايال بذلك تقوم بنقلة موفقة جدا في اللعبة الانتخابية. فحسب الاستطلاع الذي أجرته شركة Harris Interactive في ديسمبر 2006 حظي بوش على استحسان 6% من الفرنسيين فقط.

أما الرئيس الروسي بوتين فيخشى أنه بفوز ساركوزي سيكون جاك شيراك الذي سيغادر الحكم في 16 مايو 2007 آخر صديق له في أوروبا. حيث إن ساركوزي أقل حماسا من شيراك للدخول مع روسيا في اللعبة اليوروآسيوية، مفضلا طريق التعاون عبر الأطلسي.

رغم أن اليمين المتطرف لم يحظ بالصعود إلى الجولة الثانية، إلا أن نتيجة المنافسة بين المرشح اليميني والمرشح الاشتراكي ستحدث أثرا محسوسا على تطور العولمة اللاحق، أي على عالمنا بهمومه الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com