مرة أخرى يحاول الذين اختطفوا الإسلام وحبسوه في الكهوف ومغارات الجبال أن يقدموا للعالم صورة مشوهة عن دين السلام والمحبة والرحمة. فقد تناقلت وسائل الإعلام الأسبوع الماضي خبر تداول شريط فيديو يظهر مقاتلين من طالبان يشجعون صبيا في الثانية عشرة من عمره تقريبا وهو يذبح كهلا باكستانيا اتُّهم بأنه جاسوس أميركي.

وقد صُوِّر الفيلم في مكان غير معروف، وأظهر أغاني جهادية وتحيات إلى زعماء طالبان، وفي الدقائق الأخيرة من الشريط يظهر رجل وُصِف بأنه خائن لطالبان، وأنه قدم معلومات إلى القوات الأميركية أسفرت فيما بعد عن مقتل أحد أبرز زعماء طالبان في أفغانستان، وهو «أختر محمد عثماني» خلال غارة جوية في شهر ديسمبر من العام الماضي. وقد ظهر الرجل في الشريط معصوب العينين وهو يعترف طالبا الرحمة، قبل أن يأتي طفل ويصفه بأنه جاسوس، ثم يقوم بقطع رأسه مستخدما سكينا، وسط صيحات الرجال التي تعالت مرددة «الله أكبر.. الله أكبر».

مشهد لا يمكن أن يختلف اثنان على بشاعته بغض النظر عن كل المبررات التي قد يجدها البعض مسوغة لتصرف من هذا النوع، ومع ذلك اختلفنا كعادتنا، وثار جدل واسع بين الأصوليين أنفسهم في المواقع القريبة من تنظيم (القاعدة) على الانترنت حول نشر صور الذبح وجدوى استخدام الأطفال في مشاهد الذبح، وليس حول عمليات الذبح نفسها، إذ بينما رأى البعض أنه لا داعي لنشر صور الذبح هذه للعالم لأن ضررها أكبر من نفعها، وأنه لا ينبغي تربية الأطفال على هذا لأنهم لا يميزون، أشاد البعض الآخر بهذه الصور تحت شعار «الدم الدم.. الهدم الهدم».

وتباينت ردود الأفعال على مواقع الانترنت الأخرى بين مستنكر لهذه الممارسات الهمجية والمناظر البشعة، ومن قال إن شكوكا قوية تساوره حول مسألة اختراق أجهزة مخابرات لهذه التنظيمات التي تعاني من حالة استسلام عقلي بشكل يلامس حد السذاجة أحيانا، معتقدا أن أغلب الانتحاريين ينطلقون من فتاوى مخابراتية. وهناك من يعتقد انطلاقا من نظرية المؤامرة الشهيرة أن هذا الشريط مفبرك، ملقيا بالتهمة على الإرهاب الأميركي الصليبي الذي يفعل أي شيء وكل شيء ليصم ديننا الإسلامي بالعنف، متهما من يصدق هذا الكذب بالسذاجة والجري وراء كل ناعق وخبر.

ليس ثمة شك في أن الخلاف غدا سمة من سمات المسلمين منذ اللحظة التي اجتمع فيها الأنصار (أوسهم وخزرجهم) تحت سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ليبايعوا سعد بن عبادة خليفةً للمسلمين والنبي (صلى الله عليه وسلم) مسجى في فراشه لم يدفن بعد خشية استحواذ المهاجرين على الخلافة، ومنذ أن انقسم الأوس والخزرج على أنفسهم في اجتماعهم ذاك فنبشوا الدفائن وأثاروا الحفائظ وأيقظوا الضغائن قبل أن ينسحبوا أمام إخوانهم المهاجرين الذين أصبحوا خصومهم على الخلافة في تلك اللحظة بعد أن خف إلى دار النبي (صلى الله عليه وسلم) نفر ممن يناوئون سعد بن عبادة ليخبروا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح بما كان يجري في مجتمع الأنصار كي يسرع الثلاثة إلى هناك بينما علي بن أبي طالب مشغولا بجهاز النبي (ص) لم يعلم بما حدث حتى سمع التكبير يتعالى من المسجد وقد فرغوا من اجتماع السقيفة وجاءوا بأبي بكر يبايعونه البيعة العامة.

وعلى هذا المنوال نسج الخلف ليتواصل مسلسل الخلاف بين المسلمين متضمنا الكثير من مشاهد الدماء التي سالت على حد السيوف، لينجلي غبار المعارك عن أمة ضلت الطريق في كثير من مراحل تاريخها فلم تهتد إلى جوهر الرسالة التي عنوانها الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وغايتها نشر العدل والمحبة في الأرض، ووسيلتها الحكمة والموعظة الحسنة، فأي حكمة في الزج بالأطفال في ممارسات من هذا النوع؟

وأي موعظة حسنة في نشر صور تحمل من البشاعة ما يكرس لدى الآخرين الفكرة التي ندّعي أنها خادعة عن الإسلام والمسلمين بينما تشهد الصور بأن هؤلاء الذين يدّعون الإسلام ويرفعون راية الجهاد يقتلون البراءة في نفوس الأطفال، ويشيعون بينهم ثقافة العنف والذبح والكراهية في أبشع صورها؟

لقد جاء الإسلام ليغيّر الأنماط الجاهلية التي كانت سائدة عند نزول الرسالة، ويقضي على الممارسات التي تتعارض مع القيم، ويحرّم كل ما يؤدي إلى إهدار آدمية الإنسان ويحط من كرامته ويبعده عن دائرة الإنسانية ويقربه من شريعة الغاب التي لا تعرف الرحمة ولا تعترف بالقوانين والأصول والقيم. هذا ما حاولت الرسالة المحمدية أن تغرسه في نفوس أبنائها على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، لكن ما يفعله هؤلاء الذين اختطفوا الإسلام واقتادوه إلى الكهوف والمغارات.

واحتكروه تحت تلك العمائم التي أصبحت رمزا للتعصب والعنف وحفلات القتل الجماعي، ما يفعله هؤلاء وما يقدمونه للعالم من صورة بشعة عن الإسلام هو أبعد ما يكون عن روح هذا الدين السمحة وتعاليمه الإنسانية الراقية ورحمته التي دعت إلى الرفق بالحيوان، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الخالق ووضعه في منزلة تحسده عليها بقية المخلوقات، وأناط به عمارة الكون وفق قواعد محكمة ودقيقة؟

ليس ثمة من ينكر أن هناك ظلما واستكبارا تمارسه القوى الكبرى على الكثير من شعوب الأرض المستضعفة، لكن الظلم لا يمكن أن يكون مبررا لإهدار القيم والتخلي عن الضوابط الأخلاقية التي تحكم مسألة المواجهة لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأبسط هذه الضوابط تقول إنه ليس من العدل والحكمة أن نزج بأطفال في عمر الزهور في أعمال وممارسات بشعة من ذلك النوع الذي تضمنه شريط طالبان الجديد.

إن أسوأ ما يمكن أن تتعرض له قضية عادلة هو أن يتصدى للدفاع عنها محامون فاشلون. وكل الشواهد تقول إننا نحن المسلمين أفشل محامين لأعدل قضية، هذا إذا جاز لنا أن نطلق صفة مسلم على من يستغل أطفالا أبرياء في ممارسات بشعة كهذه، في زمن أصبحت فيه صورة الإسلام لا ينقصها المزيد من التشويه الذي يمكن أن تضيفه إليها مشاهد من ذلك النوع الذي تضمنه شريط طالبان الأخير في مسلسل العنف الذي تتوالى حلقاته، مكرسا الصورة التي يتراكم عليها كل يوم المزيد من الدماء ليزيدها تشويها ويطمس معالمها التي كانت ذات يوم جميلة فلم يعرف أصحابها كيف يزيدونها جمالا أو يحافظون على جمالها إن كانوا عاجزين عن الإضافة.

كاتب إماراتي

moc.liamtoh@0002diaboila