تحلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالصبر وسعة الصدر، بعد ما اندلعت مظاهرات في اسطنبول وقبلها في انقرة، قادتها مؤسسات المجتمع المدني معظمها من الجماعات النسائية على اختلاف توجهاتها «غابت عنها الاحزاب السياسية» انما كان القاسم المشترك بينها هو التمسك بموروثات مؤسس تركيا الحديثة كمال اتاتورك، وأهمها النظام العلماني القائم حاليا في تركيا والذي يفصل بين الدين والدولة، واتهام الحكومة بالتخطيط لاقامة دولة اسلامية بترشيح وزير الخارجية عبدالله غول لانتخابات الرئاسة المقبلة، وهي المؤسسة الكبرى الاخيرة من مؤسسات الدولة التي لا تخضع لسيطرة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
قلق ومخاوف المحتجين العلمانيين الاتراك من ترشيح غول لمنصب الرئيس يعودان الى التزامه الاسلامي ومواقفه الماضية بالنسبة لتطبيق الشريعة، ونشاطه الملحوظ ضمن منظومة الجمعيات والمنظمات الاسلامية العربية والدولية، وشكوك العلمانيين الاتراك بوجود أجندة دينية سرية سيسعى حزب العدالة والتنمية الذي يتمتع باغلبية في البرلمان الى تطبيقها بالتدريج في تركيا.
اذن، ما يجري في تركيا منذ ايام هو صراع بين العلمانيين الذين يساندهم الجيش الذي أطاح بأربع حكومات خلال الخمسين عاما الماضية، وبين الاحزاب السياسية الدينية والليبرالية، وفي المقدمة حزب العدالة الذي خرج من عباءة حزب الفضيلة برئاسة نجم الدين اربكان الذي اطاح الجيش بحكومته المنتخبة ديموقراطيا، بدعم شعبي قبل عشرة اعوام لان الطرفين اعتبراها اسلامية اكثر مما ينبغي. والسؤال الذي يطرح الآن، هل سيتحرك جنرالات المؤسسة العسكرية للاطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية، وبمعنى أوضح بأردوغان وغول ؟.
هذا السؤال ما زال من الصعب الحكم عليه في ضوء ما يجري في الشارع التركي، لكن من المؤكد ان عاصفة داكنة تهب على تركيا الى ان تصدر المحكمة الدستورية قرارها اليوم الإثنين في طعون يرى العلمانيون انها قانونية فيما يضغط الجيش الذي يتمتع بسلطة حماية المبادئ العلمانية للجمهورية من اجل الغاء الانتخابات، وبالتالي الغاء ترشيح غول لمنصب الرئاسة، وفي هذه الحالة من المتوقع تقديم موعد الانتخابات التشريعية، لكن قراءة متأنية لبيان «منتصف الليل» للجيش التركي الذي يتهم الحكومة بعبارات قاسية بعدم حماية العلمانية، يشير الى ان الجيش على استعداد للتحرك دفاعا عن هذه العلمانية اذا اقتضى الامر ومواجهة ما يعتبره تصاعدا للنفوذ الاسلامي، وهذا ما يعتبره المراقبون بمثابة إنذار، وهنا لا مكان للديموقراطية وحرية الاختيار حيث ستسقط بقوة الدبابات.