الكلمة الفصل في الصراع الفلسطيني- الصهيوني هي للعنصر البشري.. للإنسان نفسه وليس للأرض فقط، فالمشروع الصهيوني، كما يتذكر الجميع، قام على مقولة »فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض«، مقولة دخلت عنوة أو بغفلة من الزمن في عقول صناع القرار في الخارطة السياسية العالمية التي كانت سائدة قبل أكثر من قرن من الزمان ولطالما عولت الحركة الصهيونية على هذا العنصر في عدوانها المتواصل بلا هوادة منذ ذلك الحين ضد الشعب الفلسطيني، بحيث سخرت كل طاقاتها وحلفائها على امتداد العالم لهدف واحد لا ثاني له وهو تفريغ أرض فلسطين من سكانها الشرعيين حتى يتسنى لها تثبيت مشروعها الاستيطاني مرة وإلى الأبد دون منغصات تأتي من هذا الطرف أو ذاك.

ولبلوغ ذلك الهدف، عولت الدوائر الصهيونية أيضا على العامل الزمني ووفاة الجيل أو الجيلين الفلسطينيين وهما اللذان كانا قد ولدا على أرض فلسطين قبل عام النكبة وكان لها ذلك بعد أن راحت المنية تحصد الأجيال الفلسطينية الواحد تلو الآخر في غياهب الشتات الممتد على طول الأرض وعرضها، مما شكل نجاحا باهرا بالنسبة للحركة الصهيونية وكارثة تاريخية لا سابق لها بالنسبة للشعب الفلسطيني تضاهي مفاعيلها عملية اغتصاب فلسطين وقيام الدولة العبرية نفسها.

ولطالما اعتبر أبناء الشعب الفلسطيني مفردات مثل :الهجرة، اللجوء، الإبعاد، الإقصاء، النزوح والتهجير الخطوط الحمراء يجب أن تحتل دائما المرتبة الأولى في سلم أولويات النضال الفلسطيني ولا بد من مواجهتها بكل السبل المتاحة، خاصة وأن القضية هنا تتعلق كما أسلفنا بالإنسان الذي يشكل عماد أي قضية على الإطلاق وإذا خسرته خسرت أهم مقومات وجودها وإمكانيات بقائها واستمرارها على قيد الحياة.

صحيح أن سياسة التهجير والإحلال في فلسطين المتبعة من جانب الحركة الصهيونية حتى منذ ما قبل أن تدنس قدم أول يهودي مهاجر أرض فلسطين قد حققت مبتغاها إلى حد كبير بعد أن تمكنت هذه الحركة من تشريد الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني عن أرضه وبعد أن أحلت مكانه مستوطنين يهودا اقتلعوا من شتى بقاع الأرض ليزرعوا شوكة في حلق القضية الفلسطينية التي طال أمدها.

إلا أن تمكنت حكومة تل أبيب من إرغام المفكر الفلسطيني د. عزمي بشارة على اتخاذ قراره التاريخي بكل المقاييس بالبقاء خارج الوطن السليب قصة أخرى جديدة ذات أبعاد خاصة قد تشكل عبئا إضافيا على كاهل القضية الفلسطينية بوسعه أن يجرها إلى أبعد مما يتصور الكثيرون وذلك من ناحية الإنسان القضية أو القضية الإنسان آنفة الذكر، فبعد أن تمكنت الحركة الصهيونية، بدعم عالمي وتواطؤ عربي وخيانة فلسطينية، أيضا من جعل المجتمع الدولي والكثير من الدول العربية يتناسون قصة الجزء الأعظم من الشعب الفلسطيني القابع في بلدان الشتات.

وبعد أن تمكنت من تحويل قصة الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى قصة أمنية سخيفة أبعد ما يمكن أن تصل إليه لا يتعدى إجراء أمنيا هنا وفتح معبر هناك أو تمرير بعض الأموال للجهاز المخابراتي التابع لرئاسة السلطة الفلسطينية المثيرة للجدل، ها قد جاء الدور، من وجهة نظر صهيونية طبعا، للتعامل مع ملف فلسطيني الـ 48، وفتح الطريق أمامهم أو إجبارهم على السير في الطريق الشائكة التي سار عليها من سبقوهم من إخوانهم في الرحيل عن ارض الوطن.

هذا الكلام لا يعني بالمرة التقليل أو حتى المساس ولو من بعيد بما يتمتع به بشارة من روح وطنية نضالية منقطعة النظير قدم على مذبحها الكثير والكثير الذي لا ينسى وسيظل خالدا في صدر صفحات القضية والنضال الفلسطينيين على مر الزمن، ذلك أنه إذا كان الراحل غسان كنفاني قد سلط، في غمرة لحظة نسيان، الضوء على ظاهرة أدب المقاومة في فلسطين المحتلة.

وعرف العالم أجمع بشعراء الأرض المحتلة وعلى رأسهم محمود درويش وسميح القاسم، فإن المفكر والمناضل الفلسطيني عزمي بشارة قد شكل صلة وصل مفعمة بالصدق والوفاء والمثابرة بين فلسطيني 48 من جهة وفلسطيني 67 والشتات والعالم العربي والعالم بأسره من جهة ثانية.

لا أجد من يجرؤ على الاقتراب من حقيقة ما يتمتع به من روح نضالية، لكن قرار عدم العودة ينطوي على شيء من التسرع، فلقد كان من الممكن تحويل هذه القضية إلى معركة حقيقية ضد الاحتلال في جميع المحافل الدولية وعلى كافة المستويات في الداخل والخارج والانتقال بالقضية الفلسطينية إلى آفاق إنسانية أرحب تعانق تجربة المناضل الجنوب افريقي الخالد نيلسون منديلا.

bassil@albayan.ae