مفترق طرق مزدوج – وخطير – هذا الذي تمر به المنطقة العربية والسياسة الأميركية معاً فالحضور العسكري الأميركي في العراق وضع غير مسبوق والخلاف بشأنه عالميا يضع صانع القرار العربي أمام مشكلة معقدة، ولأن المؤشرات بشأن هذا المد الكبير لسياسة التدخل المباشر متعارضة فهناك في واشنطن إدارة تبدو متصلبة جدا في الإصرار على استمرار هذا النهج – على الأقل حتى نهاية حكم جورج بوش – وقوى داخل أميركا وخارجها تدفع بأقصى طاقتها لوقف هذا المد، لكن المستقبل يظل موضوع ترجيح من الافتقار للحكمة الانحياز إلى أي من حديه وإن كانت المؤشرات تعزز بوتيرة متصاعدة احتمال استمرار هذه السياسة وإن كنا ندينها، فالقضية هنا ليست ما نحب بل ما ترجح الشواهد أنه الاحتمال الأقرب لأن يستمر، ويمكن القول بأن صانع القرار العربي يهمه أن يجيب عن سؤال: هل تعبت أميركا من التدخل؟
من طهران لدارفور
قبل سنوات كان صانع القرار العربي يستطيع أن يرسم خططه بقدر كبير من الاطمئنان إلى أن التدخل العسكري ليس الخيار الأميركي المفضل، وكانت المظلة العربية للعمل العسكري الذي تم لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي مؤشرا على أن السياسة الأميركية في المنطقة لا يمكن أن تقوم على الانفراد بقرار التدخل العسكري.
بل لقد قال حاكم عربي راحل لمسؤول أميركي في مفاوضات رسمية بين البلدين إنه متأكد من الأميركيين سوف يتخلون عن حلفائهم ولن يتدخلوا عسكريا أبدا لإنقاذهم واستشهد بالانسحاب الأميركي من فيتنام وفشل العملية الأميركية لإنقاذ الرهائن الذين احتجزوا في السفارة الأميركية بطهران قبل سنوات.
غير أن هذا الحاكم يمثل مدرسة في التفكير السياسي العربي لا تفصل بشكل واضح بين الأمنيات والممكنات وفي المقابل هناك مدرسة أخرى تتعامل بواقعية مع المعطيات المتعينة على الأرض وتدرك بدرجة أكبر أن تغيرا مهما حدث يجب أخذه في الاعتبار، وقد أوردت في مقال سابق (4 رجال ومشهدان مختلفان – البيان – 16 – 4 – 2007) التحذيرات الرسمية السعودية للقيادة الإيرانية من أن التهديدات الأميركية بعمل عسكري ضد إيران هو تهديد جدي.
وقد أضاف الرئيس السنغالي عبدالله واد سببا آخر لأن تؤخذ التهديدات الأميركية بالتدخل المباشر في ملف آخر هو ملف دارفور بجدية، قال الرئيس السنغالي عبد الله واد، إن الرئيس الأميركي جورج بوش حذره بأنه في حال عدم قدرة الأفارقة على حل مشكلة دارفور، فإن الولايات المتحدة ستضطر للتدخل في السودان لإنهاء الأزمة.
ووفقا للرئيس السنغالي فإن الدول العربية، عبر جامعة الدول العربية لم تتدخل جديا لإنهاء الأزمة في دارفور وعندما طلب مساعدة العرب »لم يقدموا أكثر من خمسة ملايين دولار، في حين أن هذا المبلغ لا يكفي إلا ليومين أو ثلاثة كمصروفات لقوات حفظ السلام الافريقية«، والرئيس السوداني عمر البشير كان يرفض دخول الأمم المتحدة للأراضي السودانية »لكني نصحته بقبول الحل هذا«. (الشرق الأوسط اللندنية 19 – 4 – 2007).
سنضرب.. سنتدخل!
قاموس السياسة الخارجية الأميركية إذن ليس مقبلا – على الأقل في الأفق المنظور – على تغير كبير فما زالت مفردات: سنضرب، سنتدخل.. ..حاضرة في الخطاب الدبلوماسي الأميركي بل إن السجال الذي يتصاعد بين موسكو وواشنطن حول درع الصواريخ الذي تريد الولايات المتحدة إنشاءه في أوروبا مؤشر أقوى على أن الولايات المتحدة لم تتعب من التدخل.
ولأنها تكون دائما في حاجة إلى ما يبرر التدخل فإن مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من الأزمات التي تطرح بشأنها الولايات المتحدة خيار التدخل يكتسب أهمية خاصة، فالممانعة الافريقية هي التي أخرت حتى الآن مساعيها للقيام بفرض حل في دارفور بشكل منفرد أو عبر الأمم المتحدة.
وقد أصدرت جهات عديدة رسمية وحقوقية بيانات تحمل الحكومة السودانية المسؤولية عن تفاقم الأوضاع في دارفور غير أن أهمها ما صدر قبل أيام عن الاتحاد الافريقي، فقد قالت قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الافريقي في ولاية غرب دارفور للأمم المتحدة إن ميليشيات عربية تقتل وترتكب جرائم نهب في المنطقة دون اعتقالات من السلطات السودانية.
وقال الميجر هاري سوكو وهو ضابط من مالاوي اطلع رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة على الوضع إن تواجد جماعات المتمردين السودانيين في هذه المنطقة أدى أيضا إلى صراع وقتل المئات في الشهور العديدة المنصرمة، وأضاف »تتحرك الميليشيات العربية المعتقد أنها موظفة (من الحكومة السودانية)... بحرية في المنطقة الواقعة تحت مسؤوليتنا وتهدد وتقتل أي أحد يقف ضد مصالح الحكومة« والشرطة السودانية لا تلقي القبض على الجناة.
(تقرير لرويترز 25 أبريل2007).
أوهام الثقة
وتتجاوز المشكلة هنا حدود السجال الأخلاقي حول مدى مشروعية هذه النزعة التدخلية فالإدانة لا تحتاج إلى الكثير من الجهد، وهي مهمة لكن الأكثر أهمية وجدوى أن توضع في سياقها فلا تشكل ضبابا يحجب العقل العربي عن رؤية الممكنات والتقدير الدقيق للاحتمالات، والخلط بين الأمرين يكون غالبا مدخلا للركون لأوهام الثقة.
إما بتوقع أن تواجه الولايات المتحدة قوى دولية تمنعها من الاستمرار في سياسات التدخل وهو ما لم يحدث خلال حربين شنتهما في فترة قصيرة في مواجهة رفض دولي كاسح، وإما بانتظار أن يأتي تغيير الإدارة الأميركية بتغييرات درامية، فالقوة العسكرية كأداة دبلوماسية له شواهد كثيرة خلال حكم الديمقراطي بيل كلينتون (قصف أفغانستان – قصف السودان – عملية ثعلب الصحراء..) بل إن أول موقف رسمي أميركي مهم على طريق إطاحة نظام صدام حسين (قانون تحرير العراق) كان هو الآخر خلال وجود الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون في البيت الأبيض، والديمقراطيون الذين يختلفون مع بوش حول الحرب في العراق هم أنفسهم الذين فوضوه استخدام القوة ضد إيران.
وبعض الأطراف الأوروبية التي تعارض اعتماد السياسة الخارجية الأميركية على خيار القوة يؤيدون بشكل واضح مشروع الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا في إشارة واضحة إلى أن (الهيمنة) الأميركية يقابلها أحيانا »احتياج« للقوة الأميركية، في أوروبا وغيرها من المناطق الساخنة في العالم التي تتسم بهشاشة – بالمعايير العسكرية – لا تتناسب مع الأهمية الاستراتيجية أو الاقتصادية لهذه المناطق.
وبدلا من تأكيد أن أميركا »تعبت« من التدخل العسكري لندقق النظر في خرائط تحرك قواتها وعدد النقاط الساخنة التي تفكر أو تلوح بالتدخل فيها ربما ساعدنا هذا على »ترجيح« إجابة للسؤال!
كاتب مصري