اعتاد المربون والآباء والمعلمون على اختراع رعب ما، أو فزع ما، يخيفون به أولئك الصغار أو التلاميذ ظناً منهم ـ وإن بعض الظن إثم ـ أن ذلك سوف يضبط سلوك الصغار، هذا السلوك الذي هو في الحقيقة تعبير عن طبيعتهم الكثيرة الحركة والكثيرة الأسئلة.

ولأن المربين والآباء مشغولون بما هو أهم فليس لديهم الوقت للعلب دور المايسترو المنظم للحركة بخفة وسلاسة، وعليه فإن الأسهل هو اختراع شيء ما في الحقيقة أو في الخيال يخيف الصغار ـ وحتى الكبار ـ فلا يتحدثون، ولا يتحركون، ولا يقولون إلا ما يريده المعلمون والآباء، وإلا فالرعب جاهز عند الباب، أو تحت الغطاء، أو في الظلام، أو في مكان آخر خفي!!

القضية خرجت من نطاق التربية داخل البيت أو داخل الفصل المدرسي بطريقة الترهيب بالفزاعات المعروفة وهي كثيرة «الشرطي، الجني، الناظر، الوالد، الحرمان من شيء مرغوب...»، القضية وصلت كل مكان، فتجد نفسك وأنت رجل كبير أو امرأة تجاوزت الثلاثين.

وقد تخرجتما، ونلتما أعلى الدرجات، إلا أن هناك في مكان العمل أو حتى خارج العمل من يمارس عليك الإرهاب. ذاته، من يصنع فزَّاعات معينة ويوزعها بين مكاتب الموظفين، أو في جلساتهم فيوهمهم بأن هناك من يراقبهم أو يتسمع إلى هواتفهم أو يرصد حركاتهم، مع أنهم ليسوا سوى موظفين عاديين جداً، لا يعرفون من حركة الحياة سوى الخروج صباحاً للعمل والعمل مساء للمنزل ومشاهدة التلفزيون ومن ثم الذهاب للنوم استعداداً ليوم مشابه في الغد!!

وفي بعض المكاتب، هناك من يتعامل مع سعادة المدير أو معالي الوزير، أو سيادة المسؤول وكأنه رعب آخر فلا يجوز أن يعرف أنكم ضد رأيه أو أنكم لا توافقون على طريقته في إدارة المؤسسة، أو أنكم تنتقدونه أو تخالفونه أو لكم رأي آخر مختلف، إياكم وذلك لأن مصيركم سيكون مأساوياً!!

وعليه فهذا الرعب يكفي ليبتلع الموظفون ألسنتهم، فلا يتفوهون بما من شأنه أن يقودهم إلى بوابة الخروج من المؤسسة.. هذا يعني باختصار أن يفعل المسؤول ما يريد فكل آرائه وسياساته ومقترحاته معصومة من الخطأ، ولتذهب المؤسسة إلى الجحيم طالما أن المجاهرة بالرأي مصيرها طرد صاحبها من العمل أو على أقل تقدير النقمة عليه بكل الوسائل!!

هذه الذهنية البوليسية المخابراتية التي يحاول البعض أن يؤسسها في بعض المؤسسات، ويحاول البعض الآخر أن يستغلها لتثبيت مصالحه وزعامته في الدائرة، هي في الحقيقة من مخلفات عصور مظلمة من القمع والديكتاتورية عانت منها بلدان فجنت سوء المصير.. نحن اليوم في زمن مختلف، وعلى طريق من التنمية والتطور مختلف وثقافة الخوف والصمت وسياسة زرع الفزاعات في كل مكان لإسكات الصغار والكبار طرق متهالكة لا تصب في مصلحة استراتيجية الدولة ولا تطلعات القيادة والشعب.. وعلى أصحابها التوقف عنها رحمة بالبلد وبالناس!!

sultan@dmi.gov.ae