ثمة غيوم سوداء في سماء بلادنا العربية والإسلامية، والعنف سيد الموقف على أراضينا في أكثر من عاصمة وبلدة عربية أو مسلمة ونخبنا العروبية و«الإسلامية» والليبرالية تكاد تعطينا الانطباع بأنها باتت معلقة بين الأرض والسماء ومضغوطة من الاتجاهين، وتكاد تكون فاقدة حتى لرد الفعل المناسب ناهيك عن الفعل المطلوب، مكتفية بوصف الحال وتشريحه وفي أحسن الأحوال، هذا ان كان الحظ قد حالفها في تشخيص المشكلة والداء بدقة وحسن تقدير.

لكن ما هو مطلوب في الواقع أكثر بكثير وأبعد من مجرد وصف الحال، بل وحتى تشخيص الداء مع أهميته الفائقة. المطلوب إرادة فعل جماعية للخروج مما نحن فيه من تراكم لسوء التقدير وتكرار للأخطاء وإصرار على البقاء في مقاعد المتفرجين في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى منطقتنا الغنية بكل أنواع الطاقات لكنها المشحونة بكل أنواع الأزمات والبؤر الساخنة والنزاعات والفتائل المتفجرة في الوقت نفسه، وقد تحولت بلادنا إلى ميادين اختبار للآخرين فيما لا أحد من أبناء جلدتنا قدم حتى الآن أي مشروع استراتيجي شفاف وجريء للخروج مما نحن فيه من حالة عنق الزجاجة.

منذ تأسيس الكيان العنصري الإسرائيلي على ارض بلادنا زوراً وعدوانا وما رافقه في حينها ولا يزال مستمرا حتى الآن من معاناة بالدم واللحم الحي والأنفس والأرواح ونحن في جدل لا ينتهي عن أولوية التحرير أو أولوية الديمقراطية والتقدم والحريات والتحرر من ربقة الاستبداد، فيما العدو الخارجي مستمر في نهش لحمنا قطعة قطعة وكلما تقدم بنا الزمن كلما يغوص هو أكثر في لحمنا ويدوس أكثر على كرامتنا ويتقدم أكثر على أجسادنا في سائر الأقطار من الأطراف سواء بخط نار علني مفتوح كما يحصل اليوم في العراق وأفغانستان والصومال والسودان أو تنشر الفتنة الخبيثة التي تكاد تجتاح عالمنا العربي والإسلامي.

إن نخبنا بحاجة ماسة إلى نقلة نوعية في منهج تفكيرها وفي سلوكياتها بآن معاً، عليها أن تخرج من انطوائيتها القطرية أو المحلية أو الإقليمية أو القومية أو المذهبية أو الحزبية، وأن تبدأ برؤية العالم وقراءته كما هو، متصلا ومتواصلاً ويعمل ويتحرك ويؤثر ويتأثر بشكل ديناميكي لا يمكن فصل أي جزء من حركته عن الجزء الآخر بحجة حدود قطرية هنا أو شؤون داخلية هنا أو هناك، فالعالم يتحرك إمبراطوريا شئنا أم أبينا.

ويتحرك بشكل كلي متصل في حلقاته، لكنه يوهمنا أحيانا أو يقيدنا بمجموعة من المعايير المفرغة من مضمونها حتى يحبس تحركاتنا ليتسنى له أن يتحرك بحرية بالاتجاه الذي يريد وحسب الخطة الإمبراطورية الموضوعة دون عراقيل جدية من أصحاب الدار الموزعين على الأمصار والأقطار التي باتت متناثرة تحت مظلة الإمبراطورية المعولمة!

علينا أن نغير من جهة أخرى في سلوكياتنا بمعنى أن نخرج من حالة انتظار الحادثة أو الواقعة حتى نقوم برد الفعل فنعلن استنكاراً هنا أو إدانة هناك أو ترحيبا بهذا الفعل أو ذاك من أفعال الغير ونكتفي بذلك لإرضاء ضمائرهم أو وجداننا.

لابد لنا أن نخرج من هذه «الشرنقات» التي وضعت لنا أو وضعنا أنفسنا فيها ـ لا فرق ـ ونتجه إلى الفعل والمبادرة.

لقد ظل البعض منا يردد بأننا لسنا معنيين بالقضية الفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وأننا لن نستطيع أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، إلى أن جاءت البلية إلى داره وأصبحت بلاده فلسطين ثانية ضائعة أو في طريقها إلى الضياع، فيما أرضى آخرون أنفسهم بأن غنوا لفلسطين ودفعوا لها بعضاً من «صدقاتهم»، تاركين هموم الداخل من دون رقابة أو محاسبة أو اكتراث حتى وصلوا إلى طرق مسدودة في خيارات التقدم والحرية والديمقراطية فانفجر الصراع عنفاً محلياً يحرق الأخضر واليابس ولا يغني أو يسمن من جوع.

الآن وقد وصلنا إلى ما نحن عليه من تشرذم من جهة وإحاطة النار بنا من كل جانب من جهة أخرى ألم يحن الوقت لنخرج من هذا الجدل البيزنطي حول أولوية التحرير أو أولوية التقدم والديمقراطية والحريات؟!، خاصة وأن الذي يحيط بنا كشف عن المستور من أهدافه وبدأ يتصرف ويلعب بأوراقه علناً واضعاً إياها على طاولة المفاوضات، كما على طاولة التهديد والرعب والإرهاب.

أليس ما يحصل فينا ومن حولنا هوسا إمبراطوريا وممارسة إمبراطورية توسعية لا تعرف الحدود؟ لا الحدود الطائفية أو المذهبية ولا الحدود الدينية أو القومية ولا أية حدود واقعية أو مصطنعة، وفي المقابل يطالبوننا وبكل بجاحة بعدم التدخل أحياناً ويتهموننا في أحيان أخرى بأننا نحن المسؤولين عما يحصل من «دورة العنف» العبثية كما يسمونها.

هم من أشعلوا النار في كل مكان إرضاءً لمصالحهم الإمبراطورية، وهم من نشر العنف وغذوا ولا يزالون كل الإرهابيين، وجندوا ولا يزالون يجندون كل المرتزقة وضعاف النفوس أو أصحاب النفوس المريضية ونبقى نحن مع ذلك كله المسؤولين والذين يجب أن ندفع ثمن الأطماع والطموحات الإمبراطورية.

لقد آن الأوان للنخبة في بلادنا أن تنهض وأن تستفيق من غفوتها أو كبوتها أو نومها العميق أو غفلتها، وأن تستعيد زمام المبادرة وتفكر «إمبراطورياً» للرد على الفكر الإمبراطوري المتوحش، نعم أن تفكر بشكل جدي وديناميكي وعقلاني مدروس مفاده أنه لا أمن لأي قطر أو بلد أو ناحية أو منطقة أو إقليم من بلاد العرب والمسلمين ما لم يأمن من سائر الأقاليم وتأمن سائر الأقطار والنواحي لاسيما القلب منها في فلسطين.

نعم هذا ليس نداءً عاطفياً ووجدانياً أو شعاراً مجوفاً أو إنشاءً أو بلاغة حماسية، مطلوب تضامن عربي وإسلامي وتنسيقي وتشاور حوار مكثف للخروج بالبيان للدفاع المشترك وعلى كل المستويات، وإلا فإن كل شيء سيذهب مع الريح حتى تلك القائمة على ريع النفط والغاز لابد أنها الأكثر قابلية للاحتراق والتفجر إذا لم نتحرك فوراً، وغداً سيكون متأخر جداً.

كاتب إيراني