مرتّ بسلام تداعيات خطف واغتيال وجنازة «الزيادان» في بيروت. أكثر من ذلك وأهم منه، أن الحادثة التي كانت تختزن صواعق تفجير فتنة تحرق الأخضر واليابس، خلقت حالة من الالتفاف الوطني، الذي أدى إلى فتح نافذة على الحلحلة. كافة أطراف الأزمة اللبنانية تقاطعت مواقفها ليس عند الإدانة والشجب فحسب؛ بل أيضاً عند إطلاق إشارات إيجابية، تشي بوجود استعداد لاستئناف التواصل.

لغة مفقودة من زمان، غرقت خلاله الأزمة المستحكمة، بالمزيد من التعقيد والتجافي والتباعد؛ بين فرقائها. وإذا باللبنانيين وكأنهم قد تهيبوا اللحظة وشعروا بضرورة الاستدراك، بعدما دفعت بهم الحادثة إلى نقطة كشفت لهم قعر الهاوية السحيق الذي قد تدفعهم الأزمة إليه لو هي بقيت حبيسة عنق الزجاجة المستبد بها منذ أشهر.

الردود بمجملها عكست مثل هذا المناخ. الخطاب المتداول تحلى بعبارات، كانت خارج التداول في الآونة الأخيرة. دعوات إلى الرجوع للحوار، قابلتها استجابة ولو متحفظة. ثمة خيط مشترك أوجدته الهزة، التي أريد بها التفجير؛ فإذا بها تستولد حالة من اليقظة؛ نسبة إلى الأجواء التي كانت سائدة قبلها. طبعاً هي كلها ردود أولية. قد تكون فرضتها حسابات سياسية معينة. وقد تكون صدرت من باب ركوب الموجة. لكن ثمة نفحة وطنية تجمع بينها؛ على قاعدة رفض الانجرار إلى الفتنة.

وقد تجسد ذلك في نجاح عملية الاحتواء، التي ساهمت فيها كافة الأطراف. وكأن العملية المروعة كانت من نوع «وربّ ضارة نافعة». على الأقل حتى هذه اللحظة.

غير أن النفع، بقياسات الأزمة اللبنانية واستحقاقاتها الحاسمة القريبة، لا يكفي بالقدر الذي تحقق؛ على أهميته. لا شك أن تفويت الفرصة وإحباط الفتنة؛ إنجاز كبير. كان بحجم الفارق بين اشتعال الساحة وبين صدها للحريق. خاصة وأن الظروف السريعة العطب التي يعيشها لبنان، كانت ترشحه للانفجار السريع، لم ينفجر وفي ذلك مبعث اطمئنان وارتياح. لكن أسباب وعوامل التوتر لا تزال قائمة.

وبالتالي فإن الارتداد على الأجواء الواعدة التي أطلقتها العملية البشعة؛ أمر ليس وارداً فحسب بل هو بمثابة تحصيل حاصل؛ إذا تعذر تطوير الانفتاح. ما جمعته المصيبة، التي كادت أن تتحول إلى محنة وطنية، لا يقوى على الصمود ما لم تتم ترجمته إلى تحرك يعيد البحث عن الحلول إلى إطاره الوطني التحاوري وإلا مع رفع الحداد تكون المناخات التي لاقت الترحيب الواسع قد تبخرت.

الظروف قدمت الآن فرصة جديدة. المفارقة أنه على خطورتها وبشاعتها انطوت على إمكانية التوظيف لإحداث شق في جدار القطيعة بين الفرقاء اللبنانيين. أدى ذلك إلى تنفيس قدر من الاحتقان. على الأقل أعطى فسحة لالتقاط الأنفاس ووقف حنفية الشحن والتأجيج وربما لإعادة النظر بالحسابات والتأمل ملياً بالخيارات والبدائل.

بالتأكيد ما كشفت عنه الأيام القليلة الماضية، يقدم الأرضية لمثل هذه الوقفة. يبقى على الأطراف اللبنانية إبداء الرغبة والإرادة والقدرة على اتخاذ ما يلزم للعودة بالوضع إلى سكة الصواب. لقد امتحنوا التأزيم ولمسوا النتائج ومدى خطورة المجازفة. جريمة «الزيادان» ربما كانت الإنذار الأخير، علّه يكون قد لاقى الآذان الصاغية.