فوت اللبنانيون على النافخين في نيران الفتنة الفرصة في أن يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وعض أصحاب الدم على جرحهم، واعتبروا دماء من سقط بعد أن خطف ونكل به فداء لوحدة هذا البلد الذي ما انفكت رياح المؤامرات تعصف به.

كان موقفا سياسيا متزناً ما اتخذ في مسجد الخاشقجي، خلال تشييع الشابين زياد غندور وزياد قبلان، من قبل زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كان في وقت سابق، وقبل أن يجري دم اثنين من مناصريه، عنيفا إلى أقصى الحدود، ولكن بالسياسة.

وكان متعقلا موقف القيادات السياسية التي وعت محتوى الرسالة الدموية التي أودت بحياة طفل وشاب، واعتبرت أن ما يخطط له هو أكبر من أحجامها، وما يطمح له المتآمرون يتعدى مطالب كل الفرقاء اللبنانيين الذين يريدون المشاركة في القرار السياسي، أو من يحجبون تلك المشاركة.

لقد فجر حادث باص عين الرمانة في عام 1975 حربا في لبنان امتدت 15 عاما خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى والمعاقين، ودفعت بلبنان إلى هاوية فقدان الهوية لولا الرعاية السعودية للبنان وإعادته إلى محيطه العربي عبر اتفاق الطائف عام 1998.

وبالرغم من ذلك تعرض لبنان إلى انتكاسات أين منها حادث "الوسطة". واستطاع بفضل الرعاية العربية أن يخرج منها، إنما لا يمكن لهذه الرعاية أن تكون حاضرة بصورة دائمة في لبنان وفي مؤسساته، من رئاسة جمهورية ومجلس نواب وحكومة، التي عليها أن تعمل لخدمة المواطن وخدمة الوطن، الأول للحفاظ على كرامته الوطنية، والثاني بعدم التفريط في سيادته واستقلاله.

كل اللبنانيين بمختلف أطرافهم متفقون على مبادئ أساسية لا يمكن تجاوزها في طليعتها السيادة والحرية والاستقلال وهذه المبادئ كلفتهم الكثير من الدم والمال حتى استطاعوا الوصول إليها، والتفريط فيها يعتبر خيانة عظمى لا يمكن لأي لبناني أن يغامر بها، بدءا من الدفاع عن حياض الوطن ضد العدو الإسرائيلي، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان، وكان التصدي لعدوان يوليو الماضي البرهان الساطع على ذلك، انتهاء بأي خرق للسيادة من أية جهة أتى، حتى ولو من الأشقاء.

الكل في لبنان وعى المخاطر، وعمل على وأد الفتنة التي أطلت برأسها لتكرار تجربة 1975. فهل تكون دماء الشابين بداية النهاية للمسلسل الدموي الذي غاص به لبنان منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري؟ أم إن الأمور ستعود إلى سابق عهدها ويعاود السياسيون رمي بعضهم بسهام النقد والتشكيك الذي يصل في بعض المراحل إلى الاتهام بالخيانة؟.