مفاجأة الدورة الأولى في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لم تكن في حصول نيكولا ساركوزي على الموقع الأول في السباق الرئاسي أمام سيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي، فذلك كان متوقعاً لوزير الداخلية السابق ورئيس حزب الاتحاد من أجل الأكثرية والشعبية والشخصية السياسية الأكثر إثارة واهتماماً في فرنسا وصاحب نظرية القطيعة،
لكن المفاجئ كان حصوله على نسبة عالية جداً في الأصوات فاقت كل التوقعات وأعطت إشارة واضحة على نجاحه في بناء قاعدة حزبية واسعة ومتماسكة وصلبة، كما أعطت إشارة مبكرة على قوة الدفع التي يمثلها في معركته الرئاسية.
وهناك خمس ملاحظات يمكن استخلاصها من نتائج الدورة الأولى:
أولاً: تخلص المجتمع الفرنسي مما عرف بصدمة 21 إبريل، وللتذكير فإن حالة الاسترخاء واللامبالاة واعتبار الأمور محسومة سلفاً وبشكل طبيعي لمصلحة المرشحين الرئيسيين في 21 ابريل 2002م، جاك شيراك وليونيل جوسبان، هذه العناصر بشكل أساسي كانت وراء مفاجأة تفوق جان ماري لوبن مرشح الجبهة الوطنية على زعيم الحزب الاشتراكي جوسبان،
الأمر الذي دفع الفرنسيين في الدورة الثانية إلى التصويت الكثيف للجمهورية، وتحديداً للقيم الجمهورية المهددة من اليمين المتطرف، لمصلحة الرئيس المرشح جاك شيراك وليس إلى التصويت لانتخاب رئيس جمهورية، هذه الصدمة التي هزت الجسم السياسي الفرنسي قد تم التغلب عليها كلياً هذه المرة من خلال الاستنهاض الانتخابي والالتزام الذي ظهر في الحزبين الرئيسيين
وإلى بروز ظاهرة الصوت المفيد أو التصويت منذ المرة الأولى لمن يفضله بعض الناخبين للرئاسة كخيار ثاني إذا كان الخيار الأول على الصعيدين العقائدي أو السياسي بمثابة تسجيل موقف دون نتيجة فعلية عبر التصويت، كما كانت الحالة في الماضي،
للمرشح عن حزب هامشي فقط أو تراجع التصويت غير المجدي رئاسياً الأمر الذي زاد من حدة تراجع النسب التي حققها بعض المرشحين من أقصى اليسار ويسار الحزب الاشتراكي واليمين المتطرف لمصلحة الرئيسيين.
ثانياً: لقد دلت النسبة المرتفعة جداً للمشاركة الانتخابية في الدورة الأولى التي وصلت إلى خمس وثمانين بالمئة من الناخبين وهو ما لم يحصل في الدورة الأولى منذ عام 1965 ان المجتمع السياسي الفرنسي قد استعاد حيويته
أو أنه لم يكن في الحالة التي وصفه بها بعد أصحاب النظريات المتشائمة الذين يتحدثون عن التراجع الهائل الذي أصاب فرنسا رغم أن بعض هذا التراجع صحيح مقارنة مع الدول الغربية الأخرى ويعكس أزمة النظام الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص مما دفع هؤلاء إلى وصف الجسم السياسي الفرنسي بالضياع والإحباط وفقدان البوصلة وافتقار المصداقية عند النخبة وبالتالي ابتعاد المجتمع عن السياسة.
نسبة التصويت المرتفعة دلت على نسبة الأزمة البنيوية وليس على وجودها المطلق كما دلت على عودة الوعي بالنسبة للبعض أو أن المجتمع السياسي الفرنسي يبقى قادراً أمام صدمات أو خيارات أساسية على تصويب المسار.
ثالثا: يبدو أن النظام الفرنسي صار يتجه نحو الثنائية الحزبية بعد زمن من التفتت والتعدد الحزبي عبر عنها وجود عدد كبير من الأحزاب الصغيرة الأمر الذي دفع ليونيل جوسبان عام 1997م للتحدث عن اليسار التعددي، لكن نتائج الدورة الأولى أثبتت انهيار شعبية هذه الاحزاب الصغيرة،
كما أن ظاهرة فرانسوا بايرو زعيم الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية الذي راهن البعض بسبب الخوف من اليمين المتطرف ومقاومة اليسار المتطرف بشكل خاص وعدم ترسخ زعامة الجيل الثاني (ساركوزي ورويال) إلى وصوله إلى الدور الثاني مكان رويال وترجيح فوزه بالرئاسة،
أثبتت هذه الظاهرة أن لها سقفا منخفضا لا يشكل انقلابا على الوضع القائم يسمح بخلط الأوراق إنما يذكر من خلال الثمانية عشرة بالمئة التي نالها بايرو على أن هنالك مخزونا ليس صغيرا نسبياً من الضياع والإحباط في الوسط سيشكل هدف الاستقطاب عند المرشحين في الدورة الثانية.
ويبدو أن السياسة الانتخابية الرئاسية تركزت حول قطبين أساسيين. وقد انعكس ذلك في أن مجموع ما ناله ساركوزي ورويال قد فاق الست وخمسين بالمئة من الأصوات، فهل ان فرنسا تشهد بداية لأمركة الجسم السياسي عندها عبر حزبين أساسيين يمثل كل منهما تيارات مختلفة ولكنها في نهاية الأمر متعايشة ولو بشكل غير سهل في حزب واحد. هذا تساؤل مشروع تطرحه الدورة الأولى.
رابعاً: تكرست سمة من خلال معركة الدورة الأولى عنوانها الانزلاق نحو اليمين في السياسة الفرنسية فسيغولين رويال تمثل يمين الحزب الاشتراكي وهي أقرب إلى الوسط منه إلى تراث الحزب الاشتراكي، رغم إطلاق تصريحات بين الحين والآخر بغية إعادة التموضع الانتخابي
وكسب يسار الحزب والأحزاب اليسارية الأخرى، كما أن ساركوزي يعبر في شكل واضح في خطابه على الصعيد القيامي والسياسي عن مزيد من اليمينية، كما ظهر من خلال طروحاته حول الاندماج الوطني والهجرة ولبرلة الاقتصاد، الامر الذي سمح له «بخطف» نسبة لا بأس بها من أصوات اليمين المتطرف.
خامساً: إن خطابات الحملة الانتخابية ولو أن بعض وعودها غير قابلة للتنفيذ أو تذهب في أدراج النسيان تحمل مفارقة مثيرة للغاية وهي أن اليمين الذي يدعو (للقطيعة)، ويبرر ساركوزي ذلك بقوله إن شارل ديغول نفسه حمل فكر القطيعة عندما أسس الجمهورية الخامسة، يبشر ويدعو للتغيير الضروري في فرنسا ولكن يبقى الخلاف حول حجم ومدى ومنحى التغيير
وأن مرشحة اليسار تدعو فعلياً للاستمرارية على الأقل على مستوى الرؤية والمنهج. ويبقى الغائب الأكبر في هذه الانتخابات السياسة الخارجية باعتبار أنها ليست من القضايا الضاغطة بشكل عام ومباشر على المواطن الفرنسي في حياته اليومية
وفي انتظار الدورة الحاسمة يوم 6 مايو يسأل اليسار اليمين لماذا لم تقم بالتغيير وأنت في الحكم منذ سنوات ويسأل اليمين اليسار كيف ستحافظ على استمرارية المكاسب الاجتماعية والاقتصادية في عصر التغيير الضروري والحتمي.
سؤالان على الناخب الفرنسي أن يختار أحدهما قريباً.
كاتب لبناني