ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن إدارة الرئيس بوش عرضت على إسرائيل والسلطة الفلسطينية خطة باسم «حرية مقابل الأمن»، فحواها أن يقوم كل طرف بمهام معينة، وفقاً لجدول زمني محدد. بموجبها المطلوب من إسرائيل «تسهيل وتوسيع حركة الفلسطينيين على معابر القطاع وإزالة عدد من الحواجز العسكرية في الضفة»؛
مقابل «استكمال إعادة تنظيم قوات الأمن التابعة للرئيس الفلسطيني»، بكلام آخر هي خطة ترمي إلى ضمان الأمان لإسرائيل في مقابل تخفيف الحصار عن الأراضي الفلسطينية، لا أكثر ولا أقل. إن طرح هكذا مقايضة وفي هذا الظرف بالذات،
وبعد كل الذي جرى وحصل؛ يكشف عن حقيقة دامغة، هي أن إدارة الرئيس بوش ليس في جعبتها إزاء القضية الفلسطينية غير الأوهام؛ وأنها ليست في وارد تغيير عادتها في وصف العقاقير التخديرية التي تشتري الوقت لهذه القضية.
ففي ذات النهار الذي تسربت فيه هذه الخطة كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية فالتة على عادتها تطارد الفلسطينيين فقتلت أربعة منهم ومعهم بلغ عدد القتلى منذ سبتمبر سنة 2000 منذ بداية الانتفاضة الثانية 5674 شهيداً، يضاف إليهم آلاف الأسرى والمنازل المدمرة بجرافات الاحتلال
فضلاً عن آلاف الدونمات المصادرة والتوسعات الاستيطانية التي لم تتوقف لا هي ولا الإخطارات بالاستيلاء على المزيد من الأراضي في الضفة ومنطقة الأغوار التي بدأ جدار الفصل العنصري بافتراسها. وجرياً على المألوف يواصل الاحتلال مطارداته واغتيالاته تحت الذرائع نفسها: الأمن والصواريخ الفلسطينية وزرع العبوات،
وإن كل ما يقوم به يأتي في إطار الرد على عمليات فلسطينية. وكأنه على الشعب الفلسطيني ألا يعترض، حتى برفع الصوت، على العدوان الإسرائيلي المتواصل ضدّه. العزف على هذا الوتر المزيّف، عادة إسرائيلية قديمة متجددة، إسرائيل تضرب وتسبق في الشكوى، تنسف الهدنة تلو الأخرى بمزاعم واهية،
والآن بتصعيدها المستمر في الآونة الأخيرة تستهدف اثنين: حكومة الوحدة الوطنية للتخريب عليها ومحاولة تفجيرها، وفي الوقت عينه تصوّب باتجاه المبادرة العربية، بغية تهميشها وإزاحتها عن شاشة الاهتمامات الدولية.
أما واشنطن التي طالما رددت وشدّدت على أطروحة الدولتين والاهتمام بترجمة «خارطة الطريق»، تتعامل مع العدوان الإسرائيلي، إما بالصمت والتجاهل وإما بطرح خطط كهذه الأخيرة، التي لا تحتوي على أقل المطلوب والذي يتمثل بلجم إسرائيل وإجبارها على وقف عدوانها وحصارها ومطارداتها،
وكل ما يرافق ذلك من أساليب التنغيص والتدمير لحياة الشعب الفلسطيني وحقوقه الإنسانية والوطنية. أما أن تطلع الإدارة الأميركية بما أشارت إليه هآرتس، في لحظة يمدّ فيها الوضع العربي والجانب الفلسطيني يده للسلام والهدنة، فإنه أمر أقل ما فيه أنه يخلو من الجديّة.
إن آخر ما تحتاجه القضية الفلسطينية الآن، هو المزيد من الخطط، ملفها بات يطفح بالمشاريع والاتفاقيات والمبادرات، هي لا تحتاج سوى إلى القرارات الحاسمة والتي تعاني من شحّ كبير فيها، المقايضات السطحية لا تسمن ولا تغني من جوع، هذا إذا التزمت بها إسرائيل. وربما يكون في ذلك رسالة تحفيز للفلسطينيين كي يواصلوا تعزيز وحدتهم الوطنية التي تشكل أقوى الأسلحة لديهم.