لظروف طارئة، لم أتمكن – للأسف الشديد – من المشاركة في أعمال المؤتمر القومي العربي الثامن عشر، وكنت بالفعل حريصاً على هذه المشاركة لأسباب عديدة:
٭ فالمؤتمر ينعقد في ظل ظروف بالغة الدقة تمر بها أمتنا العربية بين أزمات الداخل وتحديات الخارج، وبين تراجع ذاتي بلغ مداه وهجمة شرسة لم تعد تكتفي بهزيمة المشروع العربي بل هي تستهدف الآن الوجود العربي ذاته.
فمن فلسطين إلى العراق إلى السودان إلى الصومال إلى لبنان يبدو وكأن هناك سباقاً رهيباً لنقل العرب من مرحلة التجزئة التي عاشوا في ظلها لعقود وتمنوا أن يعبروها لفضاء الوحدة المتسع.. إلى مرحلة الشرذمة وحروب الطوائف التي يراد لها أن تكون هى مستقبل العرب أو العرب السابقين!
٭ والمؤتمر ينعقد في ظل إحساس بأن المنطقة مقدمة على ما هو أخطر، وأن حرباً إقليمية كبرى قد تكون في الطريق وبأسرع مما يتوقع البعض. حرب قد يرى فيها اليمين الصهيوني الأميركي طريقاً للخلاص من ورطته في العراق. وقد يرى فيها الكيان الصهيوني طريقاً للخروج من أزمته الداخلية وثأراً من فشله في لبنان، وخطوة يستعيد بها دوره في المنطقة كقوة ردع للعرب.
٭ والمؤتمر ينعقد في ظل تناقض كبير بين نجاح المقاومة العربية الشعبية لهذه المخططات وصمودها في فلسطين وإنجازها في العراق وانتصارها في لبنان، وبين عجز النظام العربي عن تحويل ما حققته المقاومة إلى موقف رسمي في مواجهة مخططات الأعداء،
بل على العكس يتعامل النظام العربي وكأن المقاومة عبء عليه، وكأن هزيمة أميركا في العراق وفشل إسرائيل في لبنان وفلسطين هو أمر ينبغي أن يدفع العرب ثمنه بالإقرار بأن المقاومة الوطنية المشروعة هي »إرهاب« ثم بمكافأة المحتل الأميركي والإسرائيلي بتقديم المزيد من التنازلات المجانية، ثم أخيرا بهذا »الاكتشاف« الذي يراد له أن يحكم حركة النظام العربي في الفترة المقبلة بأن العرب وإسرائيل يواجهون نفس العدو.
٭ وينعقد المؤتمر وسط تصاعد الأزمات الداخلية في أقطار عربية عديدة بسبب العجز عن تحقيق إصلاح سياسي لم يعد هناك مجال للتهرب منه، أو بسبب سياسات اقتصادية واجتماعية تحالفت مع غياب الأفق السياسي لتؤدي إلى اختناق فرص التقدم وإلى تحمل الغالبية العظمي من الشعوب لأعباء فشل الدولة بصورة أصبحت تنذر بأشد الخطر.
٭ وينعقد المؤتمر في ظل الفشل الكبير الذي تعاني منه تيارات تصورت أنها يمكن أن تدخل عالم الليبرالية وفقاً للنموذج الذي وعدت الإدارة الأميركية بإقامته في العراق. فسارعت بإرسال النداءات لتكرار تجربة التدخل العسكري الأميركي لترسيخ الديمقراطية في العالم العربي (!!).
كما ينعقد في ظل إدراك متزايد بمدى الكارثة التي تقود إليها حركات تكفير المسلمين واستباحة دمائهم بحكم تفسيرات خاطئة للدين الحنيف وممارسات قدمت أعظم الخدمات لأعداء الأمة وأساءت لمقاومة وطنية وإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق.
وإذا كانت بعض هذه الجماعات مازالت تواصل نهجها كما حدث في الجزائر والمغرب مؤخرا، فإن جماعات أخرى قامت بمراجعات إيجابية لمثل هذا النهج كما حدث من الجماعة الإسلامية ثم من جماعة »الجهاد« في مصر.
٭ وينعقد المؤتمر – رغم العوامل السلبية – في ظل تراجع تلك النظرة التي حاول البعض تسييدها - بتشجيع أميركي – منذ كارثة غزو الكويت بتحميل العروبة (وليس النظام العراقي) مسؤولية ما حدث. تمهيداً لإبعاد دول الخليج عن عروبتها، وإشاعة مقولة إن العروبة كانت خرافة، وأن الأمن القومي لن يحل المشكلة بل اللجوء للقوات الأجنبية (الأميركية أساسا) هو الحل.
الآن تسقط هذه الأفكار التي حاولوا ترويجها لسنوات، وتسقط معها تلك الحرب المفتعلة التي استخدم فيها الإسلام لضرب العروبة وإجهاض المشروع القومي العربي منذ منتصف القرن الماضي.
ففي ظل المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر كانت إحدى وسائل مواجهته هي توجيه الاتهامات بالكفر واعتبار القومية العربية خروجاً على الإسلام وليس انتصاراً له.
الآن وفي ظل الأخطار التي تواجهها الأمة، تبدو العودة للعروبة هي الأساس، وينهار التناقض الوهمي بين عروبة العرب وإسلامهم. وترتفع النبرة العربية في خطاب أطراف كانت تتحفظ على ذلك.
وليست مصادفة أن تنعقد القمة العربية في السعودية لأول مرة هذا العام. ثم ها هو المؤتمر القومي ينعقد في البحرين ليعطي رسالة عربية واضحة من قلب منطقة يقترب الخطر منها ربما بأكثر مما يتوقع كثيرون.
٭ ووسط كل هذه الظروف يأتي العامل الأهم، وهو أن القضية الأساسية للمؤتمر في دورته الحالية هي تلك المحاولة الجادة لإنجاز مشروع جديد للنهضة العربية بعد المشروع الإصلاحي النهضوي في القرن التاسع عشر على يد محمد على كرجل دولة ورفاعة الطهطاوي ورفاقه من المفكرين،
ثم موجة الفكر القومي المعاصر بين الثلاثينات والخمسينات من القرن الماضي، ثم المشروع القومي الناصري من القرن نفسه.. لتأتي بعد ذلك مرحلة التراجع منذ الضربة الموجعة التي أصابت النهضة العربية بهزيمة 67 ثم برحيل عبد الناصر.
ويحاول المشروع الجديد تحليل أسباب فشل التجربتين السابقتين، ولكنه لا يغفل ما تركاه من مكتسبات وما كان فيهما من عوامل قوة تحتاج اليوم إلى التطوير والتجديد لتدخل في مشروع جديد لا يستطيع أن يتجاهل ما أفرزته الحقبة الليبرالية من أهمية الديمقراطية والدستور والحياة النيابية،
ولا أن يتجاهل ما قدمته الحقبة القومية من جهد في قضايا الوحدة والاستقلال الوطني والتنمية المستقلة، ولا ما قدمه التيار اليساري في قضايا العدالة الاجتماعية، ولا تشديد التيار الإسلامي المستنير على مسائل الهوية والثقافة.
ويحاول المشروع الجديد المطروح للنقاش إقامة نوع من الترابط بين كل هذه التوجهات بدلاً من علاقة التنافر، ليتم دمجها في مشروع جديد للنهضة العربية.
ومن هنا فإن المشروع المقترح يعكس درجة من الانفتاح يطمح بها واضعوه بأن يكون – بعد إقراره – مشروعا للمجتمع العربي كله تلتقي حوله كافة التيارات لكي تشكل وعي الأمة على طريق لنهضتها.
ويعكس المشروع المقترح رؤية تحاول التعامل مع الواقع العربي دون الارتكان إلى قوالب جامدة ودون إهمال للتطورات التي حدثت داخلياً وإقليميا وعالميا، وبإصرار على الاستفادة من تجارب الماضي بسلبياته وإيجابياته، وبإدراك تام لمدى الجهد الذي ينبغي أن يبذل للحاق بالعصر انطلاقا ً من إيمان عميق بأن الالتفاف حول مشروع للنهضة يفرض نفسه على الأمة سبيلا وحيدا ً للتحرر من أسر التأخر وإطلاق إمكانيات التجدد والتقدم في الأمة.
وبدون الدخول في تفاصيل لابد أن تكون محل نقاش مستفيض داخل المؤتمر وخارجه، فإن المشروع المقترح يضع بعض المفاصل الأساسية منها:
٭ ضرورة ممارسة النقد المزدوج لسلطتين مرجعيتين وهما التراث والغرب.
وذلك بأن تنتهي النظرة – عند البعض – إلى كل منهما بوصفه مستودع الحقائق القادر على حل كل مشكلاتنا. لقد أدى تقديس التراث عند البعض وتقديس الحضارة الغربية عند البعض الآخر إلى شل قدرتنا على التجديد لقرنين من الزمان وقد آن الأوان لفهم التراث والغرب فهما علميا ً صحيحا، والبحث عن أفضل السبل لبناء علاقة صحية بكل منهما دون تقديس ودون إنكار.
٭ إنهاء حالة النزاع داخل المجتمع العربي بين العروبة والإسلام والتي أدخلتنا في صراعات لا مبرر لها. فالعروبة تفقد الكثير بدون تلك الطاقة الروحية الهائلة التي يحتويها الإسلام في المعركة من أجل التحرر والاستقلال والنهضة. والإسلام يحتاج لدور تؤديه العروبة كمشروع تحرري وإنساني، بل إن العرب من غير المسلمين يعتبرون الإسلام جزءا أصيلاً من حضارتهم العربية.
٭ في قضية الوحدة ينطلق المشروع المقترح من حقيقة أن الوحدة مازالت ضرورة حياه للأمة العربية. وأن الدولة القطرية لم تنجح في تقديم الإجابة على مشكلات التنمية والأمن والتقدم، وأن المشكلة ستزداد في ظل العولمة التي لا يستطيع الصمود فيها إلا الأقوياء.
ولكن المشروع يستخلص من تجربة الماضي أنه قد آن الأوان لمصالحة ضرورية بين الدولة القطرية والمشروع القومي، والانطلاق في العمل الوحدوي من حقيقة أن وحدة الكيان القطري هى المدخل الطبيعي نحو الوحدة العربية وليس العكس.
وأنه كلما أحرزت الدولة القطرية تقدما في توحيد كيانها وفى التقدم في كل المجالات كلما فتحت الطريق أمام خطوات جديدة على طريق الوحدة القومية.
ومن هنا فإن الصيغة المقترحة للكيان العربي المنشود لن تكون صيغة الدولة القومية الاندماجية وإنما صيغة الدولة القومية الاتحادية التي تنشأ بالتراضي بين الكيانات والقوى العربية المختلفة.
٭ ويركز المشروع المقترح على الديمقراطية باعتبارها الإضافة الأساسية التي تميزه عن مشاريع النهضة السابقة طوال القرنين الماضيين. فلم يعد مطروحا بأي شكل من الأشكال الحديث عن وحدة تتم بصورة فوقية أو انقلابية، وإنما بالرضا الشعبي وبالاختيار الحر الديمقراطي. لتكون الكلمة بعد ذلك للمؤسسات الدستورية وليس لقرار الفرد أو الزعيم.
٭ ويطرح المشروع بعد ذلك رؤية متطورة للتنمية المستقلة التي تقوم على تكامل اقتصادي عربي. كما يطرح استراتيجية للاستقلال والأمن على مستوى الدولة وعلى المستوى العربي تستهدف تحقيق تحرير الأرض العربية المحتلة ومواجهة المشروع الصهيوني،
وتصفية القواعد العسكرية الأجنبية ومقاومة الهيئة الأجنبية، وبناء للقدرة الاستراتيجية الذاتية الدفاعية والتنموية والعلمية والتكنولوجية. وهى مهمة لا يمكن أن تكتمل إلا في إطار استراتيجية عربية للتنمية.
هذه بعض ملامح المشروع المقترح الذي يناقشه المؤتمر العربي في اجتماعه بالبحرين وما يهمني- بعد إقرار المشروع – أن يطرح لأوسع حوار ممكن حتى لا يتحول إلى مجرد دراسة تقبع في صفحات كتاب، بل يتحول إلى صيغة يثريها النقاش الذي ينبغي ألا يتوقف حتى لو اختلف الكثيرون معها أو كانت لهم وجهات نظر في جانب أو آخر.
المهم أن يكون هناك إيمان بأن الوحدة العربية هى المصير، وأن يكون هناك اتفاق على ديمقراطية الطريق إليها وديمقراطية العيش في ظلها.وأن تنتهي تلك الصراعات التي لا مبرر لها والتي استنفدت طاقات الأمة على مدى قرنين بين التراث وحضارة الغرب، وبين العروبة والإسلام.. وبين الدولة القطرية ودولة الوحدة المرتجاة.
والمهم أن ندرك أن الطريق طويل ولكن المهم أن نملك الرؤية ودليل العمل وأن نقطع الخطوات واحدة بعد أخرى بيقين كامل أن الوحدة هي المصير، وأن نفتح الباب للذين تصوروا يوما ً أن العروبة وهم يمكنهم التحرر منه
أو ثوب يخلعونه متى شاءوا أو متى شاء الأعداء.. لكي يعودوا عن أوهامهم بعد أن يدركوا أن البديل هو حروب الطوائف وتقسيم العواصم والذبح على الهوية وانتظار ما هو أسوأ.
نقيب الصحافيين المصريين