منذ انتهاء الحرب رسمياً في لبنان، في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وحتى اليوم، سبعة عشر عاماً مرَّت لم تشهد سوى حادثتَي خطف ثم تصفية المخطوف. الأولى خطف المهندس رمزي عيراني الذي ينتمي الى القوات اللبنانية، ثم وجوده مقتولاً بعد أسبوعين، والثانية جريمة الخطف والقتل الأخير التي استهدفت شاباً ينتمي الى الحزب التقدمي الاشتراكي وبصحبته فتى في الثانية عشرة من عمره.

الحادثتان مختلفتان في الزمان والمكان والهدف والظروف، فخطف عيراني هَدَف الى ايصال رسالة دموية الى القوات اللبنانية بوجوب الإمتناع عن القيام بأي دور أو نشاط سياسي، بقي الفاعل مجهولاً أو (مُجَهَّلاً) وطُوِيَت القضية في حينه.

اليوم حادثة الخطف مختلفة، فلا قدرة لأحد على منع أحد من ممارسة العمل أو النشاط السياسي، اذا الهدف غير ذلك كلياً، فانتماء أحد الضحيتين الى الحزب التقدمي الاشتراكي يعني ان المستهدَف سياسياً هو النائب وليد جنبلاط لجرِّه الى ردة فعل انفعالية تكون شرارة لفتنة ما فتئ جنبلاط يُحذِّر منها.

وما جولته في بعض قرى الجبل منذ اسبوعين، وتحمله مخاطر الظهور العلني بين الوفود الشعبية، على رغم التحذيرات الأمنية، سوى معرفته بدقة الوضع والعمل على وأد الفتنة.

ولكن، أيّاً يكن تعدُّد القراءات لِما جرى، فإن حادثة الخطف وتصفية المخطوفَين لا يمكن إدراجها إلا في سياق المحاولات المستميتة لإشعال البلد. فهي تُشبه حادثة جامعة بيروت العربية في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي، كما تُشبه جريمة التفجير في بلدة عين علق.

كل هذه الجرائم ما كانت لتقع لو ان الوضع السياسي غير مهيأ لها، فالتوتر الأمني لا يعيش إلا في مستنقع التوتر السياسي وليتذكَّر الجميع انه بين 25 كانون الثاني (حادثة جامعة بيروت العربية) و25 نيسان (حادثة الخطف)، سجلت أعلى نسبة من التوتر السياسي بين فريقي الموالاة والمعارضة ليبلغ حدّ التجريح والتخوين.

وكان الجميع يطرح علامات استفهام حول كيفية الخروج من ذلك الوضع المقفل المحتقن يوماً بعد يوم، فجاءت عملية الخطف والتصفية لتُشكِّل الجواب.

السؤال اليوم: بعدما أدّت الحادثة الى مفعول عكسي لاهدافها، من خلال تعالي الأصوات لعدم الإنجرار وراء الفتنة، هل تُقرَن الأقوال بالنيات فتُسحَب صواعق التفجير والإحتقان؟

يرى كثيرون ان الخطوة الشجاعة التي يجب أن تبدأ هي عودة الروح الى الحوار السياسي، وما لم يتحقق ذلك يكون كل كلام التهدئة ظرفياً لتعود الأمور الى ما كانت عليه من الإحتقان.