الفرنسيون سوف يختارون هذه المرّة، بين اليمين الديغولي واليسار الاشتراكي، في عودة منهم لذلك التقليد المنطقي القديم، وفي قطيعة مع ما تمّ خلال الاستحقاق الفارط، عندما تدحرج ليونال جوسبان مقابل صعود جون ماري لوبان.

وأهمّ ما في الانتخابات الفرنسية، هو ذلك الحوار المعرفي والفلسفي والفكري السياسي، الذي يدور بعد كل نتيجة لها. ففي الانتخابات الفارطة على سبيل المثال، دار حوار ثريّ حول نقطتين:

هل انتهت لحياة الحزبيّة في فرنسا، وأيّ مستقبل للأحزاب التقليدية؟ هل يجب الحذ من مصداقية معاهد سبر الآراء التي خانتها النّسب، وغابت عنها النتيجة؟

هذه الحوارات الممتعة، تسبق أيضا نتائج الانتخابات، وتأتي على كلّ شيء، وتحلّل كلّ أمر.

فالأهمّ من النتائج هو تشريح أوضاع فرنسا والفرنسيين، وبسط أحوالها كلّ البسط، من طرف نخبة تفكّر أوّلا، لتضع بعد التأمّل والتفكير، معالم طريق للذين سيحكمون في المستقبل القريب أو البعيد، ولتؤسّس لصياغة رأي عام واع أو عالم بما يحدث. فمن خلال وعيه وعلمه، يكون اختياره سواء ذهب الى اليمين أو الى اليسار أو الى غير هذه الإتجاهات.

وذلك هو دور النّخبة التي يعنيها ما لا يعني دور السياسيين، والتي تفعل فعلا مؤثّرا في الناس، بدون أن تشترط اتباع وصاياها والخضوع لخلاصاتها. وإلا قاطعت كلّ شيء واستقالت من كل شيء ورفضت أي شيء.

فلرجل السياسة مجاله ولرجل الفكر مداره ولا شيء يجبره على «الكسوف» حتى إن أتت نتائج الانتخابات ضدّ ما يريده وعكس ما يحلم به.

وكذلك يكون أي مجتمع مدني بحقّ، لكلّ فيه دور، وللجميع فيه حركة، وكلّ واع بدوره، واقف عند حدوده، غير متجاوز له، وكذلك تكون نهايات كل بناء ديمقراطي متين وعريق، لا تداخل فيه ولا فوضى ولا مزايدات.