يعطي النظام السياسي الأميركي رئيس البلاد حق استخدام الفيتو (النقض) لتعطيل أي قرار تتخذه الأغلبية البرلمانية، فتصبح القرارات المعبّرة عن إرادة ورغبة الأميركيين حبراً على ورق، وتتحول الممارسة الديمقراطية إلى ديكتاتورية مطلقة قادرة على نسف أي توجه يغاير أو يتعارض مع مزاجية و«ايديولوجية» ساكن البيت الأبيض، أو القوى والجماعات التي ترسم السياسات الأميركية، سواء أكانت داخلية أم تتعلق بالقضايا الدولية.

اليوم يستعد الرئيس جورج بوش الذي هو الواجهة التي يحكم من خلالها المحافظون الجدد، لاستخدام «الفيتو» ضد إرادة الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ ضارباً عرض الحائط برغبة أغلبية الشعب الأميركي. ‏

الفيتو الرئاسي سيستخدم لإحباط قرارين اتخذهما مجلسا النواب والشيوخ يقضيان بربط تمويل الحرب على العراق بوضع جدول زمني لسحب الجيش الأميركي من الرمال المتحركة العراقية. ‏

وبهذا الموقف يعطينا بوش ومحافظوه الجدد الدليل الساطع على سوء استخدام الديمقراطية على الطريقة الأميركية، وعلى قدرة الحاكم الأميركي على ممارسة الديكتاتورية ومصادرة الرأي الآخر، حتى لو كان هذا الرأي صادراً عن الأغلبية البرلمانية التي تمثل الأغلبية الشعبية. ‏

كما يعطينا حكام واشنطن الجواب على العديد من الأسئلة المتعلقة بالحرب على العراق والتي تتلخص في التمسك بالبقاء في هذا البلد إلى ماشاء الله لنهب ثرواته وسرقة نفطه وآثاره، ومحاولة تقسيمه وتغذية النعرات الطائفية فيه وإشعال نار الحرب الأهلية. ‏

إدارة بوش لا تنوي أن ترفع يدها عن العراق قبل أن تحقق أهدافها العدوانية في المنطقة برمتها، وليس في هذا البلد فقط. ‏

ولأن العراق كان موضوعاً على قائمة المنظمة الصهيونية العالمية في تقريرها المنشور في 14/2/1982 في مجلة «كيفونيم» كواحد من ألد أعداء إسرائيل، ولأن المحافظين الجدد يؤمنون بأساطير التلمود ومخلصون لها أكثر من إخلاصهم للولايات المتحدة ودستورها وعلمها ، فإن جهدهم انصبّ منذ وصولهم إلى مراكز اتخاذ القرار منذ مطلع العام 2001 على تدمير العراق والسعي إلى تقسيمه تنفيذاً لأوامر منظمة المؤتمر الصهيوني. ‏

لذا لا توجد أي غرابة في استخدام بوش لحق «الفيتو» ضد إرادة الشارع الأميركي، ولا غرابة في كل ما جرى للعراق من حصار قبل الحرب العدوانية التي تعرض لها، وما يجري اليوم على أرضه من مؤامرة خطيرة تستهدف الأمة العربية برمتها إرضاءً لإسرائيل وتنفيذاً للمشروع الصهيوني القديم بصياغته الأميركية الجديدة و«المنقحة» التي يسوّقونها لنا تحت عنوان عريض: «الشرق الأوسط الجديد». ‏

وإذا كان من حق الشعوب والأمم والدول ممارسة نظام الحكم الذي تشاء والديمقراطية التي تختار وتتناسب مع ثقافتها وطبيعة مجتمعها، فإنه ليس من حق دولة في العالم، وفي المقدمة الدول العظمى، وفي مقدمة المقدمة الولايات المتحدة الأميركية، أن تصدّر نظامها السياسي وديمقراطيتها الخاصة إلى شعوب ودول الأرض واستخدام القوة العسكرية الضاربة لتحقيق هذا الهدف العدواني. ‏

ولا يجوز تقسيم دول العالم إلى محورين: محور الخير الذي يرفع الراية البيضاء ويستسلم للإرادة الأميركية، ومحور الشر الذي يضم كل دول وشعوب الأرض التي تعارض هذا التصنيف الغوغائي القائم على مقولة هتلرية صرفة: «من ليس معنا فهو ضدنا» مع كل ما يعنيه ذلك من نسفٍٍٍ لحرية الرأي والرأي الآخر والاعتقاد والديمقراطية وغيرها من الشعارات التي صارت تجارة بائرة لدى صنّاع القرار الأميركي. ‏

ولعل ممارسة الديكتاتورية الأميركية الملفوفة بـ«سوليفان» الديمقراطية، لا تقتصر على الشأن الداخلي الأميركي بتعطيل قرارات الكونغرس، ولا على محاولات تصدير الديمقراطية الأميركية بقوة السلاح إلى الدول فحسب، بل أيضاً على السياسة الدولية من بوابة هيئة الأمم المتحدة. ‏

فكما نعرف يعتبر «الفيتو» اختراعاً أميركياً بامتياز، ومن خصائص النظام السياسي الأميركي. إلا أن هذا «الفيتو» تم استنساخه قبل ستة عقود ونيّف ليتحوّل سيفاً تشهره الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية في وجه أي قرار يتعارض مع مصالحها، وليس ضد أي توجّه يهدد الأمن والسلم العالميين. ‏

ومع أن أكثر من ستين عاماً مرّت على إنشاء هذه المنظمة الدولية، وعلى الرغم من كل التطوّرات الهائلة التي شهدها العالم خلال هذه السنوات الطويلة وبروز قوى عظمى عديدة على الساحة الدولية، لايزال حق «الفيتو» حكراً على الدول نفسها، ويستخدم بشكل خاص من قبل الولايات المتحدة ضد إرادة الشرعية الدولية، وضد شعوب الأرض بشكل عام، وضد شعبنا العربي على وجه الخصوص. ‏

وإدارة بوش تملك اليوم سيفي الفيتو في الداخل والخارج وتمارس شريعة الغاب في وضح النهار. ‏ألم يحن الوقت لإشهار سيف فيتو الشعوب في وجه فيتو القوى المتكبّرة المتجبّرة المغرورة المستهترة بالإنسانية وإرادة البشرية؟ ‏

ألم يحن الوقت لإعادة النظر في «نظام الفيتو» الذي يمثل ديكتاتورية الأقوى ضدّ الأغلبية أكان في الداخل الأميركي أم في العالم أجمع؟ ‏إنه استحقاق بين أيدي الشعوب وعلى الشعوب أن تقول كلمة الحق وتتصدّى لسيف الفيتو وشريعة القوي وقانون الغاب. ‏