هل بلغ المشهد العراقي المعقد طريقاً مسدوداً؟
نعم.
ولكي نستوعب هذه الحقيقة ونقف على مدلولاتها علينا أن نستدعي ثلاثة محاور أساسية راهنة تدور حولها الأحداث والتطورات.
أولاً: محور «الصراع» بين الإدارة الأميركية والمعارضة «الديمقراطية»، حيث يهدد قادة المعارضة التي تشكل أغلبية الكونغرس برفض إجازة طلب التمويل الإضافي الذي تقدم به الرئيس بوش إلا أن يكون مرفقاً معه جدول زمني للانسحاب الأميركي مع العراق تحدده المعارضة بنفسها. وفي رده على المعارضة «الديمقراطية» يهدد الرئيس باستخدام حقه الدستوري في الفيتو لنسف أي قرار يجيزه الكونغرس بهذا المعنى.
لكنه صراع زائف. فالكونغرس سيجيز طلب الرئيس عند نهاية المطاف دون أي شروط. ذلك أن كلا من الإدارة والكونغرس يخضعان لإرادة تحالف شركات إنتاج السلاح مع البنتاغون (وزارة الدفاع) الذي يطلق عليه «المجمع الصناعي العسكري». فالأموال التي يطلبها الرئيس باسم دعم القوات الأميركية في المسرح القتالي العراقي تذهب في النهاية إلى حسابات شركات السلاح من خلال تعاقدات إمدادية مع جنرالات البنتاغون.
الاشتباك بين الإدارة و«المعارضة الديمقراطية» هو إذن تمثيلية يقصد منها تخفيف حدة التذمر الشعبي ضد الحرب داخل الولايات المتحدة بإعطاء انطباع زائف بأن هناك فرصة لأن ينجح «الديمقراطيون» في إجبار الرئيس بوش على سحب القوات من العراق.
ثانيا: محور «الخلاف» بين الإدارة الأميركية وحكومة المالكي. ومن حين لآخر يعمد الرئيس بوش في تصريحات إعلامية إلى انتقاد حكومة الائتلاف الشيعي العراقية بأنها لا تفعل ما يكفي لتحقيق «مصالحة وطنية» مع قوى المعارضة السنية بما يمكن أن يؤدي إلى وقف الاقتتال وبالتالي يفتح الباب لحلول الاستقرار السياسي في العراق. وكأن الرئيس الأميركي بمثل هذه التصريحات يقول للشعب الأميركي إنه يريد الانسحاب من العراق بأسرع ما يمكن، لكن تلكؤ حكومة المالكي هو الذي يعوق تنفيذ الانسحاب.
الطرفان ـ بوش والمالكي ـ يعلمان أن هذا كلام فارغ! فهما يدركان أن كلا من الطرفين يعتمد على الآخر في مواصلة شن الحرب على المقاومة السنية. ثم إن بوش يعتمد على المالكي أيضاً في إطالة أمد الاحتلال الأميركي إلى ما لا نهاية. فالقوات الأميركية باقية «بناء على طلب الحكومة العراقية» هكذا يكرر الرئيس الأميركي على مسامع الشعب الأميركي والعالم.
ثالثاً: محور الصراع الأميركي الإيراني. الإدارة الأميركية تدرك أن ورطتها في العراق أصابت التحرك الدولي للولايات المتحدة بحالة شلل جزئي، لكنها تدرك أنه في حالة انسحابها فإن معنى ذلك سيكون تحول العراق إلى محمية إيرانية. ومن جهة أخرى تدرك أنها إذا قررت استمرار البقاء في العراق فإن حالة الشلل الجزئي تؤدي إلى إضعاف حملتها العالمية ضد البرنامج النووي الإيراني.
وهكذا تبرهن الولايات المتحدة أن حساباتها الاستراتيجية السياسية ليست في مستوى جبروتها العسكري.